1– مقدمة. الفكرة التي تكاد تطغى على التعليم العام والجامعي في المملكة هي الفكرة التي تتبناها وزارة التعليم. أعني التعليم من أجل سوق العمل. والمعنى هو أن وزارة التعليم تسعى إلى ربط العملية التربوية والتعليمية باحتياجات السوق الحالية والمستقبلية. تحتاج هذه الفكرة إلى جهود ضخمة في التعليم المهني والتدريب العملي، بدءا من تعديل المناهج وتحديثها، وجعلها قادرة على أن تضمن مواكبة الخرجين للتطورات المتعلقة بسوق العمل، وتزويد المتعلمين بالمهارات والمعارف اللازمة للانخراط في سوق العمل. بالتوازي مع فكرة وزارة التعليم تطغى فكرة على الفعاليات الثقافية التي تنفذها وزارة الثقافة تشبه فكرة سوق العمل، وهي فكرة سوق ثقافية مستهلكة للثقافة. والمعنى هو أن وزارة الثقافة تسعى تحويل الثقافة إلى سلع ومنتجات قابلة للاستهلاك. فالشريك الأدبي مثلا نموذج لاستهلاك الثقافة، حيث تبسط الثقافة لتناسب الرغبات الترفيهية السريعة. وبالفعل فقد بدأ النظر إلى الشريك الأدبي كالمقهى على أنه مكان للتسلية، بدلا من أن يكون مكانا للفكر والتأمل. كلا الفكرتين تتعارضان مع فكرتين مهمتين. ففكرة التعليم لسوق العمل ستكون على حساب تعليم العلوم الإنسانية. فالعلوم الإنسانية التي تقلص وزارة التعليم أقسامها، أو تقلل عدد دارسيها لصالح العلوم التي تفيد في سوق العمل خسارة كبيرة للمواطنة. فالعلوم الإنسانية تعلم المواطن التفكير النقدي، وتنمي المهارات اللازمة لمشاركة المواطن الفعالة، وتكسب المواطن القدرة على تحليل القضايا المعقدة. فضالا عن ذلك قهي تعزز تقدير وجهات نظر الآخرين، وتدعم التعاطف مع الثقافات المختلفة، وتساعد على تدعيم فهم الآخرين المختلفين، وتعزز الانتماء الوطني، والعيش المشترك، والمشاركة الإيجابية. هذا غيض من فيض أهمية تدريس ودراسة العلوم الإنسانية، والفجوات التي ستتركها، ولا تستطيع أن تحل محلها أي علوم أخرى. أما فكرة استهلاك الثقافة فستكون على حساب النخبة الثقافية التي ترتفع أصوات هنا وهناك لشجبها. فالنخب الثقافية التي يحاول البعض الانتقاص منها هي القادرة على قيادة التغيير الثقافي، وتشكيل الوعي الثقافي والوطني، تنقد السلبيات، وتقترح الحلول المبتكرة. تحمي الثقافة الوطنية لاسيما في عصر العولمة. بطبيعة الحال يستحيل علينا أن نعالج هنا هاتين الفكرتين بكيفية مرضية؛ إذ يجب علينا قبل كل شيء أن نجمع متنا كبيرا من المعطيات، وأن نوضح قضايا أساسية. لكننا قد نجد حلا في القاعدة الفقهية ما لا يدرك كله لا يترك جله. والمعنى بالنسبة لموضوعي هو إذا تعذر علينا مقاربة هاتين الفكرتين بصورة شاملة فيمكن أن نكتفي بالمقدور عليه منهما. فليس من المناسب أن نترك كل المنظورات لعجزنا عن البعض. فإيجاد الشيء في بعض أفراده أولى من إعدامه كلية. لذلك سنقصر الحديث على الأدب العربي الذي شكل أقوى عوامل حركة الإنسان العربي الحديث. فالأدب الجديد هو الذي جسد وعيه بذاته، وعبر في الوقت ذاته عن طموحاته في التحرر. لقد تحقق بالمخاطرة، فالأديب العربي الآن لا يشعر بأي رهبة من أن يجرب أي شكل من أشكال الكتابة، ولم يكن هذا ممكنا لو لم يغامر الأدباء في بدايات النهضة العربية في اتجاه التجديد والتحديث الأدبي، ليس فقط على مستوى إنتاج النص، بل كذلك على مستوى دراسته. لقد تعرض المجددون في الأدب العربي الحديث إلى أردأ سوء الفهم، واتهموا في عروبتهم ودينهم. ذلك ما حدث لنازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وأدونيس، ويوسف الخال، وحيدر حيدر، ونجيب محفوظ وطه حسين وغيرهم. حدث ذلك لأسباب مختلفة، الأهم فيها أن الأدب الحديث واجه الاستلابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مارسها المحافظون، لاسيما رجال الدين الذي شرّعوا الإرادة والتحكم، وفرضوا الصمت. لقد اتسمت ظاهرة التحرر الأدبية العربية برفض الجمود التي فرضه المحافظون بالمعنى السلبي، حين طمسوا المواهب، ووأدوا الإبداع، وقولبوا الناس. يرينا ما جرى لطه حسين مقدار ردود الفعل حين يحيد الدارس للأدب عن منهج هؤلاء. فالمنهج كما يقول العروي (1997، ص 11) ليس مسألة شكلية، بل هو قبل ذلك مسألة قطيعة مع التراث، وذلك ما فعله طه حسين، فحدث له ما حدث. لقد حمل الأدب الأفكار الحديثة، وقد دخلت بعض هذه الأفكار إلى العالم العربي عن طريق الأدب كما ذكر العروي في إحدى المرات. كالشك الديكارتي الذي عُرف في العالم العربي من كتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي” ضمن هذا الإطار الأدبي العام سأكتفي بالحديث فيما يتلو عن أهمية معارف الأدب الأولية للمواطن. وهي معارف يمكن أن يوفرها التعليم للمتعلمين، ويمكن أن توفرها وزارة الثقافة للمواطنين بتأليف معجم لأعم المعارف الأدبية الأولية لغير المتخصصين. 2– أهمية معارف الأدب الأولية. دار صراع بين عامي 1985 و1990 في المملكة العربية السعودية بين التقليديين والحداثيين. فقد تبنى مجموعة من الأدباء والنقاد لاسيما من التيار الإسلامي المحافظة على الأدب ودراساته الأدبية كما هي. في مقابل هؤلاء تبنى مجموعة أخرى من الشعراء وأساتذة الجامعة تجديد الأدب ودراساته الأدبية. تشكل من هؤلاء وأولئك كتلتان دار الصراع بينهما على مستويات متعددة كالملاحق الثقافية في الصحف اليومية، والأندية الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون، وإصدار الكتب، وتطور الأمر إلى أن وصل إلى خطب الجمعة. شارك كثير من الناس في هذا الصراع. أقصد المواطنين العاديين الذي سمعوا عن صراع الحداثة وخصومها، ويدلون بآرائهم في هذا الصراع. مواطن لمواطن آخر وهما جالسان في المقهى، أو عائدان من رحلة، أو خارجان من العمل إلخ المواقف اليومية التي يلتقي فيها مواطنان أو أكثر ليتحدثوا في قضايا عامة. إذا قرأنا ذلك الصراع من وجهة نظر المواطن العادي الذي يهتم بالشأن العام الثقافي فسيقدم لنا توضيحات عن فقر في المعلومات الأولية الأدبية عند المواطنين القراء. فالمواطن القارئ لا بد من أن يعرف مفهوم الحداثة، ومفهوم التقليد لكي يحسن التعامل مع النقاش الذي دار بين الحداثيين والتقليديين. وإذا كان على المواطن أن يدلي برأيه في نقاش عام كهذا، وهو لا يعرف شيئا عن الحداثة ولا عن التقليد فإن آراءه ستكون غريبة عن الموضوع. وهكذا تقود هذه الرؤية النقدية إلى أهمية المفاهيم والمعارف الأدبية الأولية التي يحتاج المرء إلى الإلمام بها، ليعرف كيف يكون مواطنا يناقش قضية أدبية مثارة. 3– معنى المعارف الأدبية الأولية أعني بالمعارف الأدبية الأولية الإطار المعرفي اللازم لكي يتوفر للفرد الفهم الكافي للأدب؛ بحيث يمكنه التعامل مع القضايا الأدبية التي تعرض له في حياته سواء عبر الملاحق الثقافية أو المجلات أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ينبني هذا التعريف على اعتبارات تخص المواطن المتوسط ثقافيا؛ فمثلما هناك حاجة إلى أن يعرف المواطن ما يكفي من قوانين كرة القدم لكي يقرأ مقالا تحليليا عن مباراة، كذلك فهو في حاجة إلى أن يلم بمعارف أدبية أولية حتى يكوّن رأيا في قضية أدبية مثارة بين الرأي العام. وبالتالي فإن قدرا أساسيا من المعارف الأدبية الأولية يمكن أن يضيف إلى خبرات المواطن بالحياة. يمكن أن نضيف إلى النقاش عن الحداثة النقاش الذي يدور أحيانا بين مؤيدي شعر التفعيلة وبين مؤيدي قصيدة النثر. فإذا لم يعرف القارئ معنى شعر التفعيلة أو معنى قصيدة النثر فسيقرأ أو يسمع من دون أن يفهم المتناقشين. بإمكان أي مواطن يعتزم المشاركة في حوار ما في قضية أدبية عامة أن يحدد حدا أدنى للإطار المعرفي عن هذا الحوار، واللازم لفهم موضوعة، وما يدور حوله، وأحسب أن هذه المعرفة هي نوع من جواز المرور إلى مضمار الحياة المدنية التي تُعنى بالحوار والنقاش. 4- فئة المعارف الأدبية الأولية تخص المعارف الأدبية الأولية غير المتخصصين في الأدب. أي الفئة من المواطنين الذين لم يتلقوا الخدمة الجيدة من النظام التعليمي؛ إذ قد يتخرج الطلاب وحصادهم من المعارف بشكل عام والأدبية بشكل خاص شذرات أدبية من هنا ومن هناك، ثم يجدون طريقهم إلى الحياة بحيث يتعين عليهم أحيانا أن يناقشوا قضايا أدبية ملحة في المجتمع الذي يعيشون فيه كقضايا الأصالة والمعاصرة، والقديم والجديد في الأدب. إنني لا أتوقع من المواطن أن يعلق على قضايا كهذه إذا كانت حصيلة قراءاته لا تتجاوز مقررات دراسية فقيرة، ومبنية على أسس غير تربوية أو تعليمية. لذلك فإنني أعتقد أن أفضل الطرق لسد هذه الثغرة في ثقافة المواطن هو التيقن من أن كل الطلاب، بما فيهم طلاب الجامعة، من أنهم قد درسوا الإطار الأساسي للمعارف التي نسميها معارف أدبية أولية. لا يحتاج المواطن غير المتخصص في الأدب أن يكون متبحرا في المعارف الأدبية، وما يحتاج إليه هو نوع من الإطار العام من المعارف الأدبية التي نسميها أولية. وأود هنا أن أذكر القارئ أن المعارف الأدبية هذه لا يمكنها أن تهيء كل العناصر الخلفية الأساسية اللازمة لتحسين المواطن لكي يقوم الأعمال الأدبية، لكنها يمكن أن تكون طرفا مشاركا في ثقافة أدبية أعمق. 5– أمية المواطن الأدبية الأولية ومع ذلك فإذا تأملنا الصورة الكبرى للثقافة الأدبية فإن هذا من شأنه أن يدعم فكرة مهمة هي فكرة المعارف الأولية، وبالتالي فكرة المعارف الأدبية الثقافية. يعود السبب في أمية المواطن الأدبية، أعني عدم توفر المعارف الأدبية الأولية إلى المجتمع الذي ينتمي إليه المواطن، ويمكن التغلب على ضعف المعارف الأدبية الأولية بحث المؤسسات الأدبية على العمل كي لا ينشأ جيل أمي أدبيا، وفي إطار رؤية عامة هي ألا يبدو الأدب موضوعا غريبا عن المواطنين، وأن يلقى الترحيب اللازم في التعليم. ويبدو لي أن طلاب المرحلة الثانوية قادرون على استيعاب كميات من المعارف الأدبية. وإذا ما تقاعست المدارس الثانوية عن أداء دورها في هذا الاتجاه، فلا أقل من ألا تحدث ضررا. لكن الدلائل تشير مع الأسف إلى أنها لا تؤدي حتى هذا الدور الحيادي بتفضيلها الأقسام العلمية على الأقسام الأدبية. الأغرب من هذا هو أن التركيز على شروط الالتحاق بالأقسام العلمية يؤدي إلى الإضرار بتعليم الأدب وفنونه. فلا يشترط نسب معينة للمواد الأدبية، كما أن الجامعة لا تبذل جهدا من أجل إعداد جمهور تتوافر فيه المعارف الأدبية الأولية. 6 - طبيعة المعارف الأدبية الأولية تختلف المعارف الأدبية الأولية اللازمة للمواطنين عن المعارف الأولية اللازمة لأساتذة الجامعات أو الأدباء. مثلا يعرف المثقفون أدبيا أن المعنى لا يكتشف كما يكتشف البترول، بل يكوّن ويبنى كما تبنى الأهرامات. وأن كل قارئ يكوّن معناه الخاص به، وأن القراء إذا كانوا مختلفين ، فسيكونون معنى على نحو مختلف، وبالرغم مما يمكن أن يؤخذ على السماح بتعددية المعنى من قبل القراء كالقول بأنه يحدث فوضى ، إلا أن المثقف أدبيا سيتحمّس لهذا التعدد في المعنى، و سيعتز ويحتفل ، لأنه يفهم أن القراء مختلفون مثلما هم الناس مختلفون ومبتكرون بشكل لافت وبديع ، ولا بد له من ألا نفكر في الفكرة التي تقول أن القراء لا يكونون المعنى .يتحمس المثقف أدبيا للتعدد في تكوين القارئ المعنى الخاص به لأن طرق تفكير الناس مختلفة ، ولأن المعنى ليس شيئا يمكن أن يمنحه أحد لأحد ، ولأن تكوين المعنى لا ينجم عن مجرد تلقيه من آخرين ، ولأن المعنى ليس ثابتا ولا نهائيا ، وأخيرا لأن المعرفة عملية تغيير مستمرة ، فما يعترف به الناس اليوم على أنه حقيقة ، يعتبر مؤقتا ، وبالتالي تكون معرفتهم معرضة للتغير في ضوء ما يستجد من أفكار وخبرات ومعلومات . 7 – القارئ المثقف أدبيا يفهم القارئ المثقف أدبيا أنه عندما يُعترف بأحقية القارئ في أن يكون معناه الخاص تصبح قراءة الأدب شيئا أكير من مجرد علاقة بين إنسان ونص أدبي، وتتحول القراءة من حيث هي تكوين للمعنى المختلف والمتعدد من قبل قراء مختلفين ومتعددين فضائل يومية، وطرقا يعتادون عليها، ليس فقط في القراءة بل في الحياة. إن تكوين المعاني المختلفة يعني عند القارئ المثقف أدبيا تعددية تفتح للإنسان طرقا متعددة للرؤية والشعور والتفكير، وحين عرف القراء قيمة هذه التعددية تتكامل وجهات النظر المختلفة، ويدعم بعضها بعضا، كل قارئ يكون معنى من المعاني، جانب من الجوانب، خبرة منفردة لها الحق في أن تتبلور، وأن تضيف معنى من المعاني المحتملة. وبهذا التعدد في تكوين المعنى يتدرب القارئ على الحياة، فكل قارئ من القراء سيبني وجها من وجوه الحقيقة، ويكوّن جانبا آخر من جوانب الواقع. كل قارئ يضيف لونا آخر لطيف الحياة، وكما قال عالم النفس كارل غوستاف يونج تتطلب الحقيقة، إن كانت موجودة أصلا، كونشرتو من الأصوات المتعددة إننا لو سألنا مبدعا عن نوع القارئ الذي يسعى لأن يكون من قرائه لأجاب القارئ الذي يتوفر على قدر من الألفة بقراءة العمل الإبداعي؛ أي أن أنه يعرف قدرا من الإحساس والفهم لخلفية العمل الإبداعي. يريد المبدع قارئا يملك نوع الإطار الذي ندعوه المعارف الأدبية الأولية. بطبيعة الحال لن يتوقع المبدع قارئا قادرا على أن ينتج عملا أدبيا؛ إنما يتوقع قارئا قادرا على أن يقرأ عملا إبداعيا ويستمتع به. وأود أن أقول على المنوال نفسه أن الكتاب ليس لهم أن يحاولوا خلق قراء قادرين على أن يكتبوا أعمالا أدبية أو إبداعية، لكن ما عليهم أن ينشدوه هو جمهور من القراء قادر على أن يناقش قضايا أدبية وإبداعية ذات صلة بالأدب والإبداع. بتعبير آخر؛ جمهور من القراء تتوفر عنده المعارف الأدبية الأولية. 8 - المفاهيم التي لا تتغير أهميتها يحتل هذا العنصر مكان القلب من المعارف الأدبية الأولية كطبيعة الأدب وطبيعة الأنواع الأدبية والفرق بين اللغة الأدبية وغيرها كلغة البحث أو الحديث اليومي. إن هذه المفاهيم هي لب فهمنا للأدب، وهي الهيكل الأساسي الذي تُبنى عليه الثقافة الأدبية. ليس معنى هذا أن هذه المفاهيم محصنة ضد التغيير، إنما المعنى أن تغيرها يأخذ شكل وضعها الذي تحتله في النوع الأدبي، وليس إبدالها بمفهوم جديد. فالحديث عن الأشكال السردية كالقصة القصيرة أو القصة القصيرة جدا أو الرواية ، مثلما هو الحديث عن الأشكال الشعرية كالشعر العمودي أو التفعيلة أو قصيدة النثر ، هو حديث عن أشكال أدبية معاصرة لنا ، فما زال يعيش بيننا ممثلون لهذه الأشكال القديمة والحديثة ، قاصون وروائيون وكذلك شعراء يكتبون الشعر العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر .غير أن هذه الأشكال الأدبية سردية كانت أو شعرية ، لا تشترك في تاريخ نشأتها ، ومعظم هذه الأشكال الأدبية لم تكن موجودة ، فالرواية مثلا لم تكن موجودة قبل أن تصدر أول رواية في الأدب العربي الحديث ، وكذلك شعر التفعيلة وقصيدة النثر. ما يميز الأنواع الأدبية هو أن كل نوع أدبي جديد تتاح له الظروف على أن ينتشر ويسود، وربما يحتل مركز الصدارة في الكتابة والنشر والتوزيع كما حدث للرواية في العقود الماضي. لكن ما يجعل الأنواع الأدبية فريدة من نوعها هو أن انتشار وذيوع أي نوع أدبي لا يقضي على النوع الأدبي الأقدم منه. فحينما انتشرت كتابة ونشر قصيدة التفعيلة، لم تقض على القصيدة العمودية، وحينما شاعت الآن كتابة ونشر قصيدة النثر لم تلغ قصيدة التفعيلة. تحتل الرواية الآن صدارة المشهد، لكنها لم تستطع أن تنهي كتابة القصة القصيرة. هكذا إذن، فبإمكان أي نوع من الأنواع الأدبية أن يستمر، وأن يتصدر أي مشهد ثقافي كتابة ونشرا، وأن يعيش إلى مالا نهاية، وإذا كنا قد فكرنا في لحظة ما أن نوعا أدبيا قد قضي عليه كالمقامة مثلا، فإننا سنجد من يمثله الآن، وما نشر لعائض القرني (مقامات القرني) قبل مدة ليست بعيدة يشير إلى عودة ذلك النوع الأدبي حتى لو انحط إلى أدنى شكل يمكن أن يُكتب به. ربما يعود السبب في تعاصر الأنواع الأدبية القديمة والجديدة وتعايشها إلى أن تاريخها يختلف عن تاريخ العلوم، ومع الأخذ في الاعتبار ما تحدث به بعض مؤرخي العلوم عن بنية الثورات العلمية، أو ما تحدثوا به عن قابلية النظريات العلمية للتكذيب، إلا أن تاريخ العلم يستند إلى التخلي عن الأخطاء، ودمج النتائج التي ظلت صحيحة، بعد أن تدخل ضمن إطار نظري جديد. يختلف تاريخ الأشكال الأدبية عن تاريخ العلم. يشبه تاريخ الأشكال الأدبية تاريخ الفلسفة عند بعض مؤرخيها ؛ فمثلما يدور صراع من أجل سيادة أنواع فلسفية جديدة على أخرى قديمة من غير أن تلغيها ، كذلك هي الأنواع الأدبية ، فالصراع بينها يكون من أجل السيادة وليس من أجل الإلغاء .إذا كان ذلك كذلك، فلا يمكننا الحديث عن موت الأنواع الأدبية ، ذلك أن النوع الأدبي لا يُقضى عليه ، ولا يُمحي من الوجود ، وهو قادر في كل مرة على أن ينهض من جديد، ينهض متى ما توفرت الظروف ، وبالتالي فالحديث عن موت نوع أدبي هو حديث غير دقيق، لأن الأنواع الأدبية كالبشر مجبرة على أن تتعايش، بالرغم من أن بعضها يعيش مقهورا . 9 – تجربة القارئ في القراءة إذا تحركنا بعيدا عن المفاهيم الأدبية الجوهرية التي تمثل قلب معارف القارئ الأدبية، سندخل ما يشبه المنطقة الرمادية، لكن إذا تحركنا أبعد فسوف نصل إلى منطقة مثيرة هي العنصر الثاني؛ أعني فهم عمليات قراءة الأعمال الأدبية وكتابها؛ حيث نموّ الأفكار هي العملية الجارية. تولد أفكار وتذوي أخرى في صراع وجود. إن الجانب الأعظم من البحوث الأدبية الأساسية تجري في هذه المنطقة، حيث تظهر الأفكار المتعلقة بعمليات القراءة والكتابة. إنه نطاق عمل مثير. ليس للقارئ أن يُدهش من أن النقاد ودارسي الأدب المتخصصين يتناقشون لاقتناص هذا المكان المتاح نسبيا. فالدراسات الأدبية تتناول في هذه المنطقة العادات القرائية، والاستراتيجيات الخاصة بالعمل الأدبي. فضلا عن ذلك تتناول تجربة القارئ في قراءة العمل الأدبي، وفكرته عما يمكن أن يفعله الكاتب وهو يكتب النوع الأدبي كالشعر أو الرواية إلخ لكي يقرأ القارئ من غير أي تحيز. إن القارئ الذي قرأ قدرا كبيرا من كتب الأدب، لهو أكثر استعدادا لأن يفهم العمل الأدبي الذي يقرؤه أفضل من الشخص الذي لم يقرأ أي عمل أدبي. 10- تأثير الأدب في الفرد والمجتمع كتب ماريو بارغاس يوسا الفائز بنوبل للأدب 2010 في مقال عنوانه ” لماذا نقرأ الأدب؟ “. إني مقتنع بأن مجتمعا بلا أدب، أو مجتمعا يرمي الأدب –كخطيئة خفيّة-إلى حدود الحياة الشخصية والاجتماعية هو مجتمع همجي الروح، بل ويخاطر بحريته. ليس الأدب نشاطا للمترفين؛ إنما هو نشاط لا يستغنى عنه لتشكيل المواطنين في مجتمع حديث وديموقراطي؛ أي مجتمع مواطنين أحرار. يتعرف البشر من خلال الأدب على أنفسهم وعلى الآخرين؛ بغض النظر عن اختلاف وظائفهم، وخطط حياتهم، وأمكنتهم الجغرافية والثقافية، أو حتى ظروفهم الشخصية. يساعد الأدب الأفراد على أن يتجاوزا التاريخ، ويفهموا بعضا بعْضا عبر الزمان والمكان. لاشي يحمي الإنسان من غباء الكبرياء والتعصب والفصل الديني والسياسي والقومي أفضل من تلك الحقيقة التي يظهرها الأدب؛ أي أن كل الأمم متساوية، وأن الظلم هو ما يزرع التفرقة والخوف والاستغلال. لا يوجد من يعلم البشر أفضل من الأدب أن يروا-برغم فروقاتهم العرقية والاجتماعية-ثراء الجنس البشري. لا يوجد مثيل للأدب يجعلنا نكافئ ونمجد فروقنا من حيث هي مظهر من مظاهر الإبداع الإنساني متعدد الأوجه. الأدب مصدر ليعرف البشر أنفسهم وتكوينهم عبر أفعالهم وأحلامهم وما يخافون منه. 11 - نموذج لمادة: الأدب ذات مرة قال الروائي نابوكوف إن الأدب لم يوجد حين صرخ الولد باكيا (ذئب، ذئب) وهناك فعلا ذئب حقيقي، بل وجد الأدب حينما صرخ الولد (ذئب، ذئب) ولم يكن هناك ذئب خلفه أصلا. والمعنى أن الأدب عبارة عن ابتكار، يولد من الخيال، وأن يقال عن الأدب أنه حقيقي، فذلك إهانة للأدب وللحقيقة معا. ما قاله نابوكوف مجرد رأي من عشرات الآراء عن نشأة الأدب، وطبيعته. فقد مر عشرات القرون على نشأة ما نسميه الآن الأدب، ومع ذلك فالدراسات الأدبية غير متأكدة من أنها كشفت طبيعته مقارنة مع ما كشفته الفيزياء عن الكون أو علم الأحياء عن الكائنات الحية، بل يمكن القول إنها لا تعرف عنه إلا القليل، ومع ذلك مازالت الدراسات الأدبية متحمسة لدراسة الأدب تحمسها له أول مرة. يعود أصل كلمة (الأدب) في المعجم العربي الدعاء، ومنه قيل للطعام الذي يُدعى إليه الناس مأدبة (ابن منظور، 1992، ج1/206)، وسمي الأدب أدبا لأنه يأدب (يدعو) الناس إلى المحامد، وينهاهم عن المقابح. ما يمكن أن نخرج به من هذه الدلالات أن الأدب يحمل معنى أخلاقيا وتهذيبيا. فالأدب بالمعنى الأخلاقي يدل على ما يُستحسن من الفرد سيرة وخلقا. والأدب بالمعنى التعليمي هو التهذيب، وإلى هذا المعنى يشير الحديث النبوي “أدبني ربي فأحسن تأديبي” (الشوكاني، 1020). وكما يبدو فهناك نقل من المعنى المادي لأصل كلمة أدب (الدعوة إلى الأكل) إلى المعنى المجرد وهو الدعوة إلى مكارم الأخلاق. نشأ في العصر الأموي معنى آخر. فقد ظهرت مجموعة من المؤدبين (المعلمين) الذين يعلمون أبناء الخاصة الشعر واللغة وأيام العرب. وقد استمر الجمع بين معنى الأدب الأخلاقي ومعنى الأدب التعليمي في العصر العباسي مع بعض التخصيص؛ إذ قد يعني الأدب معرفة أخبار العرب، وأشعارهم، وقد صُنفت كتب تشير إلى هذا المعنى وذاك كالأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع، والكامل للمبرد. ثم اتسعت كلمة أدب لتشمل كل المعارف تقريبا، ويعود هذا التوسيع إلى (إخوان الصفا) الذين ضموا إلى الأدب علوم القرآن والتاريخ، وعلوم الطبيعة كما نسميها اليوم. ثم جاء ابن خلدون ليطلق كلمة (أدب) على جميع المعارف سواء أكانت دينية أو دنيوية. على أن هناك معنى معروفا آنذاك وهو الكياسة والقواعد الأخلاقية التي يجب أن تراعى عند فئة اجتماعية. وقد أُلف في هذا المعنى كتب كأدب الكاتب لابن قتيبة، وكتب أخرى في أدب النديم، وأدب الوزير. وقد بقيت الكلمة مستخدمة في مختلف هذه المعاني إلى زمن الاحتكاك مع الثقافات العالمية لاسيما الأوربية، حيث اُستخدمت ترجمة للكلمة الإنجليزية Literature. يزدهر الأدب في الحرية بحيث لا يخضع لأي معيار خارجي عن طبيعته هو ذاته. فالمعيار الذي يًحكم به على الأدب هو معيار الأدب ذاته، وليس معيارا خارجيا يفرضه الواقع كالحكم الأخلاقي، لذلك “من الممكن اعتبار أي شيء يقال في أي عمل أدبي هو من قبيل التجريب أو الافتراضات المحضة المنفصلة تماما عما نعرفه أو نفعله في الواقع ... (وهذا يعني أن الأدب والأديب) في حل من أية مسؤولية تجاه الواقع. تلك الحرية التي هي ملمح رئيس من ملامح الأدب بمفهومه الحديث” (ميلر، 2015، ص 26). غير أن تعليق الحكم الأخلاقي، لا يعني لا أخلاقية الأدب، بل يعني أنه أخلاقيته. هذا من جهة، ولا يعني من جهة أخرى أن الأديب ينكر بالمطلق شرعية الحكم الأخلاقي، بل يعني أن الأديب يعلق الحكم الأخلاقي في الأدب، ويؤجله إلى غير الأدب، والأديب لا علاقة له بأي إدانة للأدب. ذات مرة كتب ميلان كونديرا (2000، ص 15-16) أن المجتمع الغربي اعتاد على أن يقدم نفسه كمجتمع حقوق إنسان. لكن قبل أن ينال الإنسان حقوقه، كان لابد من أن يتكون الإنسان كفرد، وأن يعتبر نفسه فلانا، وأن يُعتبر فلانا، وما كان لهذا أن يحدث لولا الأدب لاسيما الرواية، وبذلك، والكلام مازال لكونديرا، أصاب سيوران بأن المجتمع الأوربي “مجتمع الرواية”، وأن الأوروبيين هم “أبناء الرواية”. إذن علاوة على الحرية التي يزدهر الأدب في ظلها، هناك الفردية (الفردانية) التي تنعش الأدب. أي الذات الإنسانية باعتبارها فاعلا واعيا ومسؤولا. يسرد لنا ج. هيليس ميلر قائمة من صور الذات في الفكر والفلسفة الحديثة كـ “أنا أفكر إذن أنا موجود” عند ديكارت، والهوية والوعي” عند جون لوك، و”الأنا الأعلى” عند فيختة، و”الوعي المطلق” عن هيجل، و”الأنا كفاعل إرادة القوة” عند نيتشة، وأفعال الكلام عند أوستن. وبالتالي “فإن الذات، بالمفهوم الحديث، مسؤولة عما تقوله، وتفكر فيه، وتفعله، بما في ذلك كتابة الأعمال الأدبية.. وقد دبُغ هذا المفهوم الجديد بطابع قانوني، من خلال قوانين حق النشر، والملكية الفكرية الحديثة، علاوة على ذلك فإن كل الأشكال والوسائل الأدبية قد أفادت من مفهوم الذات الحديث (ص 27). إذن يمكن القول إن الأدب لا ينشأ من فراغ، وهناك عوامل متعددة كانتشار التعليم، وتوفر الطباعة، وشيوع عادة القراءة، لكن الأهم في رأيي هما الحرية والفردية اللتان تنعشان الأدب، وتدفعانه إلى الازدهار. غير أن تركيزنا على الحرية والفردية (الفردانية) لا يعني أننا ندعو إلى أن ينفصل الأدب عن العالم، ولا أن يصبح غريبا عنه، ولا الدعوة إلى أن الأدب خطاب لا ينتمي إلى ذاته. فقد ظهر في النصف الأخير من القرن العشرين ما يدعو إلى أن الأدب موضوع لغوي مغلق، ومكتف بذاته، ولا صلة له بالعالم، وأنه لا يتكلم إلا عن ذاته، وفصله عن الفعالية التي لم يكن الأدب ذاته إلا ذروتها. وقد وصلت هذه الأفكار إلى العالم العربي في ثمانينات القرن الماضي، وأصبحت سائدة تحت مفهوم الحداثة، وما زالت سائدة الآن يساعد على استمرارها النظرية الأدبية، ودراسة علاقة عناصر الأدب فيما بينها (مقاربة داخلية). لذلك يمكن أن أضيف إلى الحرية والفردية عاملا مهما وهو أن الأدب دنيوي (علماني)، وقد تحدث إدوارد سعيد مرارا عن دنيوية الأدب، لاسيما في كتابه المهم “العالم، والنص، والناقد” (2017). وفي هذا السياق يحكي عن زيارته أحد أصدقائه في الجامعة يعمل في وزارة الدفاع الأمريكية. صادفت زيارته أعنف مراحل قصف القوات الأمريكية للفيتناميين. لاحظ أن على مكتب صديقه رواية رباعية الإسكندرية للورنس داريل. والمعنى هو الانفصال بين العالم الثقافي ممثلا في الأدب وبين القوة (ص33). عالم مريع حدث ما يناظره على الطرف الآخر من المحيط عن النازي القارئ شعر ريلكة، ثم يصدر أوامر معسكرات الاعتقال. لا يمكن للأدب إلا أن ينتمي إلى العالم، وهو جزء من الحياة الاجتماعية، ومن الحياة الإنسانية، وهناك صلة وثيقة بين النصوص الأدبية، وحقائق الوجود الإنساني؛ بما فيه من سياسة ومجتمعات، وأحداث، ووقائع القوة والسلطة، إلى جانب المقاومة التي يظهرها النساء والرجال، والحركات الاجتماعية، ضد المؤسسات، والسلطات، والمعتقدات السائدة (نفسه، ص 36). إن كل نص أدبي من وجهة نظر إدوارد سعيد مثقل على نحو ما بالمناسبة التي رافقته، وبالوقائع الملموسة التي نشأ عنها (نفسه، ص 72). دفعت هذه النزعة التي تفصل الأدب عن الإنسان والمجتمع، وتجعل منه غاية في حد ذاته الناقد الفرنسي تودوروف إلى أن يصدر كتابه المهم “الأدب في خطر” (2007) الذي ينقد فيه برامج تدريس الأدب التي لا تؤدي إلى التفكير في الوضع الإنساني، ولا في الفرد والمجتمع، ولا في الحب والكره والفرح واليأس، ويرى أن نتيجة هذا البرنامج أننا لا نتعلم عن ماذا تتحدث الأعمال الأدبية، بل عن ما يتحدث النقاد. ساهم تودوروف نفسه في تأسيس هذا التصور للأدب، ويعتبر كتابه هذا تراجعا واعترافا بما جرّت إليه تصور الأدب على أنه مكتف بذاته. يقول “لو سألت نفسي اليوم لماذا أحب الأدب، فالجواب الذي يتبادر إلى ذهني هو: لأنه يعينني على أن أحيا... (الأدب) يوسع من عالمنا، ويحثنا على طرائق أخرى لتصوره وتنظيمه ... يفتح إلى اللانهاية إمكانية هذا التفاعل مع الآخرين، وهو إذن يثيرنا لا نهائيا، يزودنا بإحساسات تعوض العالم الحقيقي أشحن بالمعنى وأجمل. ما أبعده عن أن يكون مجرد متعة، وتلهية محجوزة للأشخاص المتعلمين، إنه يتيح لكل واحد أن يستجيب لقدره في الوجود إنسانا” (ص10). الأدب ثمرة التصرفات الواعية للنساء والرجال في المجتمع. يقول الكاتب الكيني نغجوي واثنقو (2020، ص 24) ويضيف بأن كون الأدب نتاج نشاط النساء والرجال الخيالي والفكري، فهو اجتماعي بكل ما في الكلمة من معنى، وأن فعل الكتابة الحق ينطوي على علاقة اجتماعية، فهناك أحد ما يكتب عن أحد آخر. الأدب جزء من إدراك الإنسان لنفسه، نتيجة صراعه مع الطبيعة والآخر. يشكل الأدب أسلوبنا إزاء الحياة، والصراعات اليومية، وهو يشكل مشاعرنا لأنها عامل مهم في التفكير والمخيلة.