عندما عُرض فيلم “مناحي” في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض في صيف عام 2009، كان حدثاً تاريخياً يخترق حاجز العرض السينمائي العلني في السعودية، وإن كان بشكل أولي ومقيد. هذا السياق التاريخي هو المفتاح الأول لفهم أي تحليل لهذا العمل. الفيلم، من إخراج أيمن مكرم وبطولة فايز المالكي، حمل على عاتقه عبئاً مزدوجاً: أن يكون عملاً ترفيهياً ناجحاً، وأن يكون حاملاً لرمزية ثقافية ضخمة، كأول فيلم سعودي يعرض علانية في المملكة - بإستثناء أنه كان هناك عروض سينمائية على نطاق ضيق، خاصة ضمن أنشطة شركة النفط “أرامكو” وفي بعض الأندية الرياضية والبيوت الخاصة في مدن مثل الرياض وجدة - هذه الرمزية هي ما منح الفيلم أهميته وشهرته، لكنها في الوقت نفسه حجبت النقاش الجاد حول قيمته الفنية وجوهر رسالته، إنما يظل “مناحي” صورة سينمائية، اكتفى بدور الرائد التاريخي الذي تضاءل بريقه بمرور الوقت أمام معايير النقد الفني. انطلق الفيلم من فكرة بسيطة ومألوفة في عالم الكوميديا، وهي صدمة الريف بالمدينة، أو صدمة البساطة بالتعقيد. تتبع القصة شخصية مناحي، الرجل البدوي البسيط الطيب، الذي ينتقل من حياته التقليدية في القرية إلى عالم المدينة الحديث، ومن ثم إلى دبي، ليعيش سلسلة من المواقف المحرجة والساخرة بسبب عدم تأقلمه مع معطيات الحضارة الحديثة وأخلاقياتها المختلفة. هذه الفكرة قابلة للتطوير نحو مساحات من النقد الاجتماعي الذكي أو التعاطف الإنساني مع إنسان يتخبط في عالم متغير. إلا أن النتيجة على الشاشة، كما يرى عدد من النقاد والمشاهدين، آثرت السطحية على العمق، والسذاجة على الذكاء. مثل سذاجة عادل إمام في فيلم “عنتر شايل سيفه”، فقد تحول مناحي إلى مجرد شخصية “ساذجة تكرس الصورة النمطية السلبية”، كما تم وصفها في نقد شعبي مبكر، حيث لم يلمس سوى شخصية تعزز صورة الإنسان الخليجي على أنه “إنسان بسيط الغاية”. هذا الانطباع هو جوهر الإشكالية الفنية للفيلم؛ فبدلاً من أن تكون البساطة مصدر حكمة أو نقاء مضاد لفساد المدينة، كما في العديد من الأعمال الكلاسيكية، جاءت هنا مصدراً للغباء والفوضى وعدم الاتزان، حيث يخلط الشخصية الأمور و”يهرف بما لا يعرف” بل ويميزه “غباء مفرط في انتقاء ملابسه”. لقد فشل الفيلم في تحويل هذه البساطة إلى رمزية إيجابية أو حتى إلى سخرية لاذعة ذكية، وبدلاً من ذلك قدمها كمادة للضحك المباشر والسهل، مما دفع بالمشاهد إلى التساؤل عن الرسالة الحقيقية التي يريد الفيلم إيصالها عن المجتمع. أما على مستوى الحبكة والبناء الدرامي، فيكشف الفيلم عن ضعف واضح. فالأحداث لا تسير بدافع منطقي داخلي بقدر ما تقفز قفزات اعتباطية بفعل الصدف المتتالية، كما لو أن السيناريو يبحث عن ذريعة للانتقال من موقع تصوير إلى آخر. حيث تنتقل الأحداث من الرياض إلى دبي ثم فجأة إلى مصر بسبب “تقلبات جوية في الخليج”، ويصل الأمر إلى ذروته في “مهزلة المؤتمر الذي أتى بالصدفة أيضا”، على حد قولهم، ليخلص إلى وصف الفيلم بأنه “فلم سياحي”، أي أنه غير متماسك. هذا الترهل في البناء يضعف من تأثير الفيلم الكوميدي ويجعله يبدو كمجموعة من المقاطع المتقطعة أكثر منه عملاً متماسكاً يحكي قصة ذات بداية ووسط ونهاية. حتى الخاتمة التي يصبح فيها مناحي مليونيراً في دبي تقدم بطريقة “تضحك عليها مو تضحك منها” كما يقال. هذا الضعف الفني يبرز بشكل أكبر حين نقارن “مناحي” بموجة السينما السعودية اللاحقة التي تطورت بسرعة على المستوى التقني وابتعدت عن الصور النمطية نحو قصص أكثر تعقيداً وتمثيلاً أكثر احترافية، مما يجعله يبدو كتجربة أولى محرجة وإن كانت ضرورية. لا يمكن فصل النقد الفني للفيلم عن التأثير الثقافي الكبير لشخصية “مناحي” التي جسدها فايز المالكي. فقد تحولت هذه الشخصية من مجرد دور في فيلم إلى ظاهرة ثقافية علق بها المالكي لسنوات طويلة، لدرجة أن تحدثت التقارير لاحقاً عن “متلازمة مناحي” التي تطارد الفنان وتعيق تجديده. هذا الارتباط العضوي بين الممثل والشخصية خلق جمهوراً عريضاً ومحبة شعبية، لكنه كشف أيضاً عن فخ النجاح السهل. فالمالكي، رغم كونه “من الفنانين السعوديين القلائل من ذوي الخبرة والنجومية”، وقع في دائرة التكرار، حيث ظل “يدور في فلك شخصياته القديمة، وكأنه يخشى التجديد”. لقد قدم الفيلم نجاحاً جماهيرياً لشخصية “مناحي”، لكنه ربما قدم بطريقة غير مباشرة إساءة لهذا النجاح، عندما حوله إلى قالب جامد أصبح عبئاً على صاحبه الفني، حيث طالبه الجمهور لاحقاً بالخروج من “شرنقة الأعمال الفنية الضحلة”. هنا تكمن مفارقة كبيرة: الفيلم الذي كان يفترض أن يكون باب انفتاح، تحول في سياق شخصيته الرئيسية إلى قفل يحبس صاحبه في نمطية معينة. ومع كل هذه الانتقادات الفنية، يبقى للفيلم مكانته الرمزية التي لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها. الجو التاريخي الذي أحاط بالعرض الأول كان جزءاً من الدراما الحقيقية الأكبر. فالعرض تم وسط احتياطات أمنية وتحت حصار من قبل مجموعة من المحافظين الذين احتجوا خارج مركز الملك فهد الثقافي، حيث حاولوا ثني الناس عن الدخول ووصفوا الفعالية بالممارسات “المنحلة والفاسدة”. في المقابل، كان الجمهور الذي دخل، ممثلاً بالشباب، يشعر بأنه يشهد “بداية التغيير”. هذا الصراع بين الانفتاح والمقاومة هو ما أعطى الفيلم معناه الحقيقي الذي يفوق معناه السينمائي. كسر الفيلم حاجز الخوف من المجهول، وأعاد للسعوديين، ولو لنخبة محدودة من الرجال والأطفال في ذلك الوقت، “طقس” الذهاب إلى السينما، وهو ما وصفه أحد الحضور بأنه أجمل جزء في الأمسية: رؤية الناس “مفعمين بالحيوية والنشاط وحب الحياة”. الدعم المالي من قبل الأمير الوليد بن طلال، الذي تكلم بصراحة عن ضرورة وجود دور سينما في المملكة، أعطى العمل حينها بعداً اجتماعياً واضحاً. في هذا الإطار، يصبح الفيلم وثيقة تاريخية أكثر منه عملاً فنياً خالصاً. قيمته تكمن في كونه “البداية” التي كانت يجب أن تأتي، رغم كل عيوبها، “فلكل بداية عثرة”. في الواقع، لا يمكن الحكم على فيلم “مناحي” بمعزل عن سياقه التاريخي الفريد. كعمل فني، فإنه يعاني من إشكاليات عميقة على مستوى بناء الشخصية، وتماسك الحبكة، وعمق الرسالة، حيث يقع في فخ تعزيز الصورة النمطية بدلاً من تفكيكها أو تقديم بديل عنها. سذاجة الشخصية الرئيسية وضحالة المواقف تجعله عملاً كوميدياً لا يرقى إلى الطموح الذي يفترض أن يكون لفيلم رائد. لكن كحدث ثقافي واجتماعي، فإن قيمته لا تقدر بثمن. لقد كان المطرقة التي كسرت جداراً من التابوهات، وفتحت نافذة، ولو كانت صغيرة ومقفلة في وجه نصف المجتمع، نحو عالم جديد. ربما كان من الضروري أن تكون هذه البداية بهذه البساطة وهذا الضعف الفني، لأن الرهان كان أكبر من أن يحتمل تعقيداً قد يخيف الجمهور أو الجهات الرسمية، “مناحي” هو الابن البكر الذي يكون نموذجاً غير مكتمل، لكن مجرد وجوده يعد انتصاراً. درس الفيلم الأكبر هو أن الانفتاح الثقافي يبدأ أحياناً بخطوات متعثرة، وأن قيمة هذه الخطوات تكمن في حقيقة أنها حدثت. الفيلم نفسه قد لا يصمد طويلاً في ذاكرة النقد السينمائي، لكن يوم عرضه سيبقى محفوراً في تاريخ التحول الثقافي السعودي.