نصفُنا الغائب.

في داخل كلٍّ منا صدعٌ خفيّ، يتجلّى ويظهر في لحظات الهدوء والسكون، وغالبًا حين نكون بمفردنا، وقد يطلّ أحيانًا حتى في لحظات السعادة، أو ما يمكن أن أسمّيه لحظات الاكتمال أو الامتنان، تلك التي نصل فيها إلى شيء سعينا إليه طويلًا. هذا الصدع هو ما أسمّيه «نصفَنا الغائب». ذلك الشعور الدائم بالنقص، الذي لا يكتمل مهما حققنا من نجاحات، ومهما امتلكنا من ماديات، ومهما عشنا من علاقات ومشاعر، ومهما خالطنا من الناس والأصدقاء والأحباء. يبقى في داخلنا كمكانٍ فارغ لا يمتلئ أبدًا. وباعتقادي، فإن هذا «النصف الغائب» هو الدافع الذي يُلقي بنا في عجلة البحث عن المعنى، والسعي في الحياة، ومحاولة إيجاد اكتمالنا المفقود… ذلك الاكتمال الذي لن نجده أبدًا. لو كان الإنسان مكتملًا، لكان كائنًا جامدًا لا يحركه فضول، ولا يدفعه طموح. إن الإحساس بالنقص والافتقار هو ما يولِّد السؤال، والسؤال هو بداية كل معرفة، وكل ثقافة، وكل حضارة. وقد أشار الفيلسوف فيكتور فرانكل إلى مفهوم «الفراغ الوجودي» على أنه حالة يشعر فيها الإنسان بالملل العميق وفقدان الحماس، لا بسبب نقص في الماديات، بل بسبب نقص المعنى. هذا الفراغ، أو «النصف الغائب»، هو في حقيقته دعوة للبحث. فبدلًا من أن يكون هذا النقص عائقًا، يصبح غايةً للبحث عن معنى وجودنا. وربما يكون هذا النقص هو ما يجعلنا بشرًا؛ فلو اكتمل المعنى لانتهى السؤال، وانتهت معه الرغبة في العلم، والمعرفة، والحياة، والحب. وقد رأى الطبيب النفسي النمساوي ألفرد أدلر في هذا الشعور قوةً دافعة؛ فالإحساس بالنقص شعور طبيعي يشعر به الجميع، ويكون صحيًا إذا دفع بصاحبه نحو تحسين الذات، وتحقيق الإنجازات، وبناء علاقات ناجحة. لكنه يتحول إلى عقبة حين يصبح هوسًا بالمقارنة السلبية مع الآخرين. إنه جزء من رحلتنا الوجودية، غير أن هذا الشعور ازداد في عصرنا الحديث تحت وطأة المقارنة التي لا تنتهي. فكل ما يحيط بنا من وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام يعرض لنا نسخًا مكتملة من حياة الآخرين، بينما نعيش نحن واقعًا مختلفًا تمامًا. فالحياة لا تُعرض لنا كما هي، بل كما يُراد لنا أن نراها. وحين نقارن «نصفنا الغائب» باكتمالهم الظاهر، وسعادتهم المصنوعة، وثقتهم المعروضة، نخرج دائمًا بخسارة، وربما بخسارة فادحة، لا لأننا أقل منهم، بل لأن هذه المقارنة في أصلها غير عادلة. ينبغي ألّا نبحث عن «نصفنا الغائب» في العلاقات أو الماديات، فنحمّل الحب أكثر مما يحتمل، وننتظر من الأشياء ومن الآخرين أن يُكملونا. لا شيء، ولا أحد، سيملأ الفجوة التي داخلنا إن لم نتصالح معها، ونعرف كيف نحتويها ونتعامل معها. وإلا سنُصاب بخيبة أمل كلما فشلنا في تحقيق الاكتمال من خارجنا. علينا أن نتقبّل أن «نصفنا الغائب» جزء من الرحلة الإنسانية. نحن كائنات في حالة تشكّل دائم، وشعورنا بالنقص ليس دليل فشل، بل علامة وعي بأن في داخلنا ما لم نكتشفه بعد، وأن هناك أسئلة ما زالت إجاباتها غائبة. وربما لسنا بحاجة إلى أن نجد نصفنا الغائب، بقدر حاجتنا إلى الاعتراف به، واليقين بأن هذا لا يجعلنا معيبين، بل يجعلنا بشرًا. عندها فقط قد نحقق نوعًا من السلام الداخلي، الذي يمنحنا إحساسًا بالامتلاء. قد لا نصل يومًا إلى اكتمالٍ مطلق، لكننا سنعيش بصدقٍ أكبر. سنحب دون أن نطلب من الحب أن ينقذنا، وسننجح دون أن نربط قيمتنا بالنتائج. فـ «نصفنا الغائب» ليس ضائعًا كما نظن، بل هو مختبئ في مكانٍ ما داخلنا، ليوازن إنسانيتنا، لا ليكسرها. وأعترف أنني أكتب هذا، و«نصفي الغائب» حاضرٌ معي هنا.