الفضاء المكاني في مسرحية سراب.

الأدب ليس ترفًا جماليًا، بل واجهة الشعوب الحقيقية ومنبر قضاياها؛ لذلك لا يمكن تصور كاتب بلا قضية، فمثلاً في النص المسرحي إذ تتحول الفكرة إلى صراع درامي، وتتجسد عبر شخوصه بوصفها أداة كشف ومعالجة لا مجرد حكاية تُروى، وفي السياق ذاته، لا يُنظر إلى المكان في النص المسرحي بوصفه إطارًا محايدًا للأحداث، إنما عنصرًا بنائيًا فاعلًا يشارك في إنتاج الدلالة؛ إذ تتشكل داخله شبكة من العلاقات التي تؤثر في الشخصيات وتعيد توجيه صراعاتها، بما يجعل المكان جزءًا من الخطاب الدرامي. ومن بين النصوص المسرحية تُقدّم مسرحية سراب للكاتب فيصل غمري معالجة درامية واعية لقضية الطبقية المجتمعية، ليس بكونها حالة طارئة أو مرتبطة بزمن محدد ومكان محدد، وإنما باعتبارها قضية ممتدة تتحكم في العلاقات الإنسانية وتعيد إنتاج نفسها عبر أشكال متعددة، في النص اعتمد الكاتب على البناء الرمزي الذي تتداخل فيه الشخصيات مع الفضاء المكاني، ليصبح المكان نفسه أداة كاشفة للتراتبية الاجتماعية وليس مجرد إطار للأحداث. يتشكّل الفضاء المكاني المركزي في المسرحية داخل السوق، بوصفه فضاءً مفتوحاً تدور فيه الأحداث، وتظهر من خلاله صور الطبقية المجتمعية بأوضح أشكالها، السوق هنا ليس مكاناً محايداً، بل ساحة صراع تتقاطع فيها سلطة المال ممثلة في شهبندر التجار، وسلطة النفوذ ممثلة في رئيس الدرك التي تحكم حركة الأفراد وتعيد ترتيب مواقعهم. ورغم أن السوق يجمع مختلف الطبقات في مكان واحد، إلا أن هذا الاجتماع لا يلغي الفوارق، بل يكشفها ويؤكدها. داخل زقاق السوق تتجلّى طبقات أدق من الصراع، حيث تدور الحوارات بين شخصيات متقاربة طبقياً، لكن كلٌّ منها يمارس سلطته بحسب موقعه داخل هذه الطبقة، ويظهر ذلك بوضوح في ممارسة المنادي سلطته الطبقية على المجذوب، الذي يُنظر إليه بوصفه أدنى اجتماعياً، هنا لا تُمارَس الطبقية فقط بين الطبقات العليا والدنيا، بل تُعاد إنتاجها داخل الطبقة الواحدة، ما يكشف عمق تغلغلها في الوعي الجمعي. ينتقل النص إلى فضاء مكاني آخر أكثر خصوصية، يتمثل في منزل العطّار، حيث تجتمع شخصيات متقاربة اجتماعيًا. هذا الفضاء المغلق يخفف من حدّة الصراع الظاهر، ويمنح إحساسًا مؤقتًا بالاستقرار، غير أنه لا يلغي منطق الطبقية، بل يعيد إنتاجه بصيغة مختلفة؛ إذ يظل المكان محكومًا بالقيم نفسها التي تضبط الفضاء العام، وضمن هذا الفضاء، يتخذ الصراع شكلًا أكثر هدوءًا، قائمًا على التقارب في المصالح واتفاقات ضمنية بين الشخصيات التي تنتمي إلى طبقة اجتماعية واحدة، طبقة تفتقر إلى السلطة والمال، لكنها تمتلك وعيًا مشتركًا بموقعها الهامشي. في نهاية قراءة الفضاء المكاني، يتضح أن عنصر المكان يشكّل جزءًا من المعنى المراد من النص المسرحي، وأن القضية لا تُطرح بمعزل عن المكان، بل تتبلور دلاليًا من خلاله، وفق ما يحمله من رموز وعلاقات تسهم في توجيه فهم المتلقي للصراع. * ماجستير في الأدب المسرحي.