لأنّ السينما في جوهرها مرآة للشعوب وحضاراتها، كان من الطبيعي أن تتقاطع السينما الهندية مع الإرث الروحي والفلسفي للهند، وأن تجد في رابندرانات طاغور (1861–1941) أحد أكثر رموزها إلهامًا وعمقًا. فطاغور ليس مجرد شاعر أو روائي، بل هو منظومة إبداعية متكاملة جمعت بين الشعر، والرواية، والمسرح، والرقص، والموسيقى، والفلسفة، والتربية، وهو ما جعل أعماله أرضًا خصبة للسينما الهندية منذ بداياتها. طاغور ورؤيته المبكرة للسينما تميّز طاغور بوعي مبكر بطبيعة السينما كلغة مستقلة، إذ حذّر سنة 1929 من اختزالها في كونها «تابعة للأدب»، مؤكدًا أن السينما يجب أن تطوّر لغتها البصرية الخاصة، القائمة على الحركة والإيقاع وتدفّق الصور، لا على الإفراط في الكلمات. هذا الوعي النظري، النادر في زمنه، يضع طاغور في موقع المفكر السينمائي، لا مجرد كاتب تُقتبس نصوصه. وقد عبّر طاغور عن هذا التصوّر عمليًا حين خاض تجربة السينما بنفسه، فظهر ممثلًا في بعض الأفلام الصامتة، وأخرج سنة 1934 فيلمه الوحيد «ناتير بوجا»، وهو نقل مباشر عن خشبة المسرح، أدّى فيه أحد الأدوار. ويُعدّ هذا الفيلم وثيقة نادرة من تاريخ السينما الصامتة، فُقد لفترة طويلة قبل أن يُعثر عليه لاحقًا. قابلية النص الطاغوري للاقتباس بعد رحيل طاغور، تحوّلت أعماله إلى مادة خام لعدد كبير من الأفلام، بفضل ما تنطوي عليه من كثافة درامية واستعارات بصرية طبيعية. فقد تجاوز عدد الأفلام المقتبسة من قصصه ورواياته نحو خمسين فيلمًا في السينما البنغالية، إضافة إلى نحو عشرة أفلام باللغة الهندية ولغات أخرى، وهو رقم يبدو متواضعًا إذا ما قورن بغزارة إنتاجه الأدبي الهائل. تتميّز نصوص طاغور بقدرتها على تحليل الشخصيات في سياقها الاجتماعي المعقّد، والكشف عن توتر العلاقات الإنسانية، لا سيما ما يتصل بالمرأة، والهوية، والصراع بين القيم التقليدية والحداثة، وهي موضوعات وجدت في السينما وسيطًا مثاليًا للتجسيد. طاغور وساتياجيت راي: لقاء استثنائي يُعدّ المخرج ساتياجيت راي أبرز من نقل عوالم طاغور إلى الشاشة. ففي فيلم «ثلاث بنات» (1964)، قدّم راي ثلاث قصص متوسطة الطول عن نماذج نسائية مختلفة: مراهقة، وشابة، وزوجة أرستقراطية متمرّدة. بدا الفيلم وكأنه عودة لرسم بورتريه المرأة، حيث تتقاطع الرهافة النفسية مع الحساسية الاجتماعية، في لقاء نادر بين كاتب ومخرج من طراز رفيع. البطولة فيه لنجمين كبيرين من نجوم تلك الفترة مادابي ماخرجي وسوميترا شاترجي ما يجعل هذا الفيلم نموذجياً بفضل استخدام مهارات فنية وأدبية لنجوم كبار. كما قدّم راي اقتباسًا بالغ الأهمية لرواية «البيت والعالم»، التي تناولت قضايا الهوية والوطنية، والصراع بين المسلمين والهندوس، ومكانة المرأة في المجتمع. رسم الفيلم تراجيديا إنسانية عميقة، تتقاطع فيها الصداقة مع الحب، والعقل مع الثورة، وحقوق المرأة مع قيودها الاجتماعية. وإذا كانت نهاية القصة الأصلية تنحو إلى القسوة والقطيعة، فإن راي اختار خاتمة أكثر إنسانية وواقعية، جامعًا الزوجين في مواجهة مصيرهما المضطرب. تنوّع الرؤى السينمائية لم يقتصر حضور طاغور في السينما على راي وحده، بل شمل تجارب إخراجية متنوّعة، من بينها: «أحجار جائعة» (1960) لتابان سينها، الذي قدّم صورة قاسية عن الجشع في مجتمع بورجوازي زائف البريق. «كابوليوالا» (1961) لهيمن جويتا، أحد أكثر الأعمال الإنسانية تأثيرًا، وقد أُنتج بعدة نسخ، آخرها عام 2023 ، عن أفغاني متعلق بابنته، يهاجر إلى الهند، وهناك يجد السلوان في علاقته الأبوية بفتاة أرادها بديلة، ولكن عاطفته البريئة أثارت همسا متشككا من حوله. «أربعة فصول» (1997) لكومار شهاني، الذي وجّه نقدًا لاذعًا للتطرّف الأيديولوجي داخل حركة التحرير الوطنية الهندية. الفيلم الوثائقي الذي أخرجه ساتياجيت راي عن حياة طاغور، جامعًا بين الوثائقي التقليدي والمشاهد التمثيلية، في قراءة تاريخية وإنسانية متوازنة. كما قدّم فيلم «رباعيات» لبودهادب داسغوبتا تحية بصرية شاعرية لعالم طاغور، عبر أربعة أفلام قصيرة مستوحاة من قصائده، في معالجة حلمية للصورة. ومن الاقتباسات الحديثة فيلم «تشوكير بالي» (2003) بطولة آيشواريا راي، إضافة إلى الحضور المستمر لأغاني طاغور (رابيندرا سانجيت) في السينما الهندية بوصفها تعبيرًا عن التحولات النفسية العميقة. طاغور: السيرة والفكرة وُلد طاغور في 7 مايو 1861 في كالكوتا، ونال جائزة نوبل للآداب عام 1913، ليكون أول كاتب غير غربي يفوز بها. بلغ إنتاجه الإبداعي حدًّا استثنائيًا شمل الرواية والمسرح والشعر والموسيقى والفن التشكيلي والتربية. أسّس مدرسة شانتي نيكيتان سنة 1901، وجامعة فيسفا بهاراتي سنة 1918، مجسّدًا رؤيته للوحدة المبدعة بين الإنسان والطبيعة والمعرفة. شكّلت المآسي الشخصية التي عرفها – من فقدان الأم والزوجة والأب وعدد من الأبناء – خلفية إنسانية عميقة لرؤيته الشمولية، التي عبّر عنها في أعماله الكبرى مثل «جيتانجالي» و**«جورا»**. وقد ظلّ حتى ساعات وفاته في 7 أوت 1941 غزير الإنتاج، ممليًا آخر قصائده قبل رحيله. إنّ علاقة طاغور بالسينما ليست علاقة اقتباس نصوص فحسب، بل علاقة رؤية وفلسفة وجماليات. فقد سبق طاغور عصره في فهم الصورة المتحركة، وكتب نصوصًا تنبض بالسينما قبل أن تتحوّل إلى أفلام. لذلك ظلّ حضوره في السينما الهندية والعالمية حيًّا ومتجدّدًا، بوصفه شاعرًا للإنسان، ومُلهمًا للصورة، وضميرًا ثقافيًا تجاوز حدود اللغة والجغرافيا.