نافذة الكتابة .
أكتب لأن الكلمة هي الطريق الذي لا يضيع، ولأن الإنسان في نظري — أيّ إنسان — يحمل داخله موهبة خفية، لو تهيأت لها لحظة صدق، أدبًا لا يُنسى. لا أرفع نفسي فوق أحد، ولا أطلب قمةً أشارك فيها أحدًا؛ إنما أجلس في مكاني وأكتب، كأن الكتابة قدرٌ جيء به إليّ، لا حرفة أبحث عنها. النثر هو مساحة وضوحي. هو المجال الذي لا يطالبني إلا بما أستطيع، ولا يفرض عليّ وزنًا، ولا يلزمني بقافية، ولا يضع بيني وبين نفسي حاجزًا. آثرت النثر لأنه المكان الذي تستقيم فيه كلمتي، وتتنفّس فيه رؤيتي، ويظهر فيه صوتي كما خُلِق. أقول فيه ما أراه كما أراه، بلا التفاف، بلا حراسة لفظية، وبلا محاولة لصناعة بريقٍ لا أصل له. كل حرف أكتبه لا يشبه غيره، ولا أسمح له أن يقترب من الضعف، ولا من العلل التي شوهت كثيرًا من النصوص: لا مبالغة، لا استعراض، لا زخارف تلمع ولا معنى فيها، ولا أطالة تبحث عن الفخر بدلاً من الحقيقة. أكتب لأنني وجدت الكتابة نافذة أتيح من خلالها رؤية أبسط الأشياء وقيمتها، وفهم ما يختبئ خلف التفاصيل الصغيرة كما هي، بلا تصنع أو تزويق. وكتابة هذه اللحظات تتيح لي أن أشارك جزءًا من إدراكي وإحساسي بطريقة تحافظ على وضوح المعنى ورهافة الشعور. أنا ابن النثر، وابن هدوئه وقسوته معًا، ابن الجملة التي تقول، ولا تستعرض، وتكشف، ولا تُغطي، وتخرج، ولا تتردد. الأدب، كما أراه، لا يعرف أعمارًا ولا مقامات، وكل من حمل كلمة صادقة، ولو لم يكتبها بعد، هو أديب في مكان ما من داخله، ينتظر اللحظة التي يفتح فيها الباب. هذه هي كلمتي… وهذا هو مجالي… وهذه هي نهايتي في هذا النص: وضوح لا يرتد إلى الظل، ومعنى لا يحتاج إلى شاهد، وصوت يخرج كما هو… قويًا، مستقيمًا، بلا خوف، وبلا زينة. بكل أدب واحترام اتخذت الموقف المناسب.