باكثير ..عبقرية الكلمة وسحر الشاشة.

بمناسبة مرور 115 عامًا على ميلاد الأديب العربي الكبير علي أحمد باكثير (1910 - 1969)، نحتفي بقامة أدبية فذة لم تكن مجرد كاتب، بل كانت جسراً ممتداً بين الحضارات، ومنارة أضاءت عتمة الفكر العربي برؤى استشرافية دمجت بين التاريخ والواقع. وُلد باكثير في إندونيسيا، وتجذر في حضرموت، وأشرق في مصر، مما جعل من إبداعه مزيجاً فريداً «عابراً للحدود». لم يكن باكثير سجين حقبة زمنية معينة؛ فقد استلهم من التاريخ (الفرعوني والإسلامي) ليسقطه على واقع الأمة المعاصر. تجلى عبوره للمكان في قدرته على صهر الروح الشرقية بالثقافة العالمية، مؤكداً أن الأدب الحقيقي هو الذي يتجاوز الجغرافيا ليخاطب الوجدان البشري في كل زمان. تنوعت نتاجات باكثير لتشمل كافة فنون الأدب، تاركاً بصمة ريادية في كل مجال: * في المسرح: يعتبر رائد المسرح الشعري الحديث؛ ففي مسرحية «إخناتون ونفرتيتي» طوع الشعر المرسل لأول مرة. * في الرواية: صاغ ملاحم تاريخية أعادت صياغة الوعي العربي، وعلى رأسها «واإسلاماه» و**»الثائر الأحمر»**. * في الشعر والترجمة: كان شاعراً مطبوعاً وجدد في بنية القصيدة، كما قدم ترجمة استثنائية لمسرحية «روميو وجولييت» لشكسبير. لم يكتفِ باكثير بالورق، بل كان «رجل سينما» بامتياز، حيث قدم للسينما العربية ثلاثاً من أهم أيقوناتها: * فيلم «سلامة» (1945): من بطولة كوكب الشرق أم كلثوم، حيث كتب القصة والسيناريو والحوار بصياغة أدبية راقية. * فيلم «واإسلاماه» (1961): الملحمة التي لا تُنسى والمأخوذة عن روايته الخالدة، والتي جسدت معاني التضحية والوحدة. * فيلم «الشيماء» (1972): الذي صاغ له القصة والسيناريو، ليصبح أيقونة الأفلام الدينية والتاريخية في وجدان المشاهد العربي. في إطار الحفاظ على هذا الإرث العظيم، لعبت مؤسسة حضرموت للثقافة دوراً محورياً في إحياء ذكرى باكثير؛ حيث نظمت ندوة كبرى في ذكرى مئوية ميلاده بمتحفه في قلعة صلاح الدين بالقاهرة عام 2025م. ولم يتوقف الوفاء عند هذا الحد، بل قامت المؤسسة باقتناء مكتبته الخاصة لتكون نواة لمتحف شامخ في مدينة سيئون بحضرموت. وعلى صعيد التوثيق البصري والمسرحي، أنتجت المؤسسة فيلماً وثائقياً من سيناريو وإخراج المخرج الكبير أحمد فؤاد درويش، كما شهدت دار الأوبرا المصرية عرضاً مسرحياً مبهراً أخرجه المبدع الشاب أحمد فؤاد خصيصاً لهذه الاحتفالية. وتتويجاً لهذه الجهود، أعلنت المؤسسة عن تدشين «جائزة علي أحمد باكثير السنوية» التي ستنطلق في عام 2026م، لتكون حافزاً للأجيال الجديدة من الأدباء للسير على خطى هذا الرائد العظيم. إن الاحتفاء بعلي أحمد باكثير بعد 115 عاماً هو احتفاء بالهوية، وبالأدب الذي لا يموت. لقد نجح باكثير في أن يجعل من الكلمة المكتوبة صورة مرئية، ومن التاريخ القديم درساً للمستقبل، ليظل اسمه محفوراً كواحد من أعظم بناة النهضة الأدبية والسينمائية في الوطن العربي.