في خريف عام 2006، وبينما كانت صالات السينما غائبة تماماً عن جغرافية السعودية، شق فيلم “كيف الحال” طريقه إلى الشاشة الفضية عبر عرضه الأول في البحرين، حاملاً معه تناقضاً أساسياً يميز مسيرته؛ كونه فيلم روائي طويل يُنسب إلى السينما السعودية، بينما كُتب وأُخرج وصُوّر بأيدي وعقول غير سعودية في الغالب. هذا التناقض يشكل المدخل الأساسي لأي قراءة نقدية لهذه التجربة الرائدة التي تجاوزت قيمتها الفنية لتتحول إلى وثيقة اجتماعية وعلامة فارقة في تاريخ التحول الثقافي في المملكة. الفيلم الذي أنتجته شركة روتانا بميزانية ضخمة، يعد محاولة جريئة لاقتحام حقل كان محظوراً لعقود، حاملاً في طياته رغبة في فتح حوار حول قضايا اجتماعية معقدة تتراوح بين صراع الأجيال والهوية والحرية الفردية في مجتمع يمر بمرحلة انتقالية صعبة. قصة الفيلم التي تدور حول أسرة سعودية واحدة تجمع ثلاثة أجيال، تقدم لنا عالماً مصغراً من التناقضات الاجتماعية. الجد المرح المتقبل للحياة، والأب المتفتح الذي يؤمن بحق ابنته في التعليم والعمل، يقفان في مواجهة الابن المتشدد الذي يسعى لفرض وصايته على شقيقته. هذه الديناميكية العائلية لم تكن سوى انعكاس لصراع أوسع كان يدور في المجتمع السعودي آنذاك بين تيارات محافظة وأخرى تسعى لمساحة من الانفتاح. ما يلفت النظر في معالجة الفيلم لهذه الإشكالات هو طابعه التوفيقي والاحتفائي، والذي ربما جاء نتيجة للرغبة في عدم استفزاز المشاهد المحلي بشكل مفرط، أو ربما بسبب عدم التعمق الكافي في فهم طبقات هذه الصراعات من قبل كُتاب العمل الذين لم يكونوا سعوديين. الشخصيات، رغم تمثيلها لمختلف التيارات، تبدو أحياناً كتمثيلات نمطية أكثر منها كائنات بشرية معقدة، حيث يتحول الصراع الفكري إلى مجرد خلافات عائلية يمكن حلها في النهاية ضمن إطار المصالحة العامة. لا يمكن مناقشة فيلم “كيف الحال” دون التوقف عند رمزية ظهور الممثلة السعودية “هند محمد” كأول ممثلة سعودية تظهر على الشاشة السينمائية في فيلم روائي طويل. هذا الظهور التاريخي، رغم محدودية التجربة الفنية للممثلة وقتها، كان تحدياً جريئاً لتقاليد راسخة، وكسراً لحاجز نفسي واجتماعي هائل. لكن هذه الجرأة تصطدم بحقيقة أخرى وهي أن معظم الطاقم الفني الخلفي كان من غير السعوديين: المخرج إيزادور مسلم، فلسطيني كندي. وكاتب القصة محمد رضا، لبناني. وكاتب السيناريو بلال فضل، مصري. هذا التناقض بين المضمون “السعودي” وبين الآلية الإنتاجية “غير السعودية” يطرح سؤالاً جوهرياً حول الهوية الحقيقية للفيلم: هل هو فيلم سعودي حقاً أم هو منتج عربي عام يستخدم الإطار السعودي كديكور لقصته؟ هذا السؤال ليس تقليلاً من قيمة العمل، بل هو إشكالية حقيقية واجهت كثيراً من الأعمال الرائدة في سياقات ثقافية مماثلة، حيث يتحول العمل الفني إلى جسر بين الداخل والخارج، بين المحلي والعالمي، مما قد يفقده خصوصيته أحياناً. من الناحية التقنية والفنية، يظهر الفيلم كمحاولة أولى تحمل كل مميزات وعيوب البدايات. الميزانية المرتفعة تبدو واضحة في جودة الإنتاج، لكن الحرفية الإخراجية تتراوح بين اللحظات المشبعة بالحيوية والمشاهد التي تسقط في فخ التلقين والمباشرة. الحبكة الدرامية التي تدمج قصة حب بين الشاب سلطان “هشام الهويش” وابنة عمه إلى جانب القصة الرئيسية عن محاولة تكوين فرقة مسرحية، تبدو أحياناً كمحاولة لاسترضاء أكبر عدد ممكن من الجمهور عبر تقديم أكثر من نوع درامي في العمل الواحد. هذا التعدد في الخطوط الدرامية، رغم أنه يثري الفيلم من ناحية الأحداث، إلا أنه يفقده التركيز والعمق النفسي للشخصيات، مما يجعل المشاهد أمام عمل يلامس العديد من القضايا ولكن نادراً ما يغوص في أعماق أي منها. ردود الفعل النقدية المتباينة التي استقبل بها الفيلم عند عرضه كانت تعكس بحد ذاتها الانقسام المجتمعي حول دور السينما والفنون التمثيلية. فبينما أشاد البعض به كـخطوة أولى ضرورية ومؤشر إيجابي لبداية صناعة سينما سعودية، انتقد آخرون بساطة قصته وأداء بعض ممثليه، وتساءلوا عن مدى أصالته وجدارته لتمثيل البداية الحقيقية للسينما السعودية. هذا الاختلاف في التقييم لم يكن فنياً بحتاً، بل كان يعكس مواقف أيديولوجية وثقافية أعمق حول العلاقة بين الفن والمجتمع، وحول من يحق له تمثيل الهوية السعودية على الشاشة. الغياب الكامل للعرض السينمائي داخل المملكة بسبب منع الصالات وقتها، جعل من الفيلم ظاهرة فضائية في المقام الأول، شاهدة على مفارقة عصرية حيث يُستهلك المنتج المحلي عبر وسائل غير محلية. بعد مرور قرابة العقدين على إنتاج “كيف الحال”، وفي ظل التحول الثقافي الهائل الذي تشهده المملكة اليوم مع افتتاح صالات السينما وازدهار الإنتاج السينمائي المحلي، يمكننا النظر إلى هذا العمل بوصفه لحظة تأسيسية رغم كل عيوبها. قيمته التاريخية تفوق قيمته الفنية بلا شك، فهو فتح الباب للنقاش المجتمعي حول دور الفن في تشكيل الوعي الجمعي. المشاكل التي عانى منها الفيلم، من نمطية الشخصيات إلى السطحية في معالجة القضايا الاجتماعية، كانت بمثابة دروس أولية لمخرجي وكتاب سعوديين لاحقين تعلموا منها وطوروا عليها. الأهم من ذلك أن الفيلم، برغم كل انتقاداته، نجح في إيجاد سابقة، في تحويل المستحيل اجتماعياً إلى ممكن عملياً، مهدداً بذلك حاجز الصمت السينمائي الذي دام لعقود. يبقى فيلم “كيف الحال” عملاً إشكالياً يستعصي على التقييم البسيط. لا يمكننا إنكار ريادته التاريخية ولا يمكننا التغاضي عن نواقصه الفنية وإشكالية هويته الثقافية. ربما تكون هذه الإشكالية ذاتها هي ما يجعل منه وثيقة مهمة لفهم لحظة تحول ثقافي. الفيلم يمثل الحوار الصعب بين المحلي والعالمي، وبين الرغبة في الانفتاح والخوف من فقدان الهوية، وبين جرأة الطموح الفني وقيود الواقع الاجتماعي. هو ليس فيلماً سعودياً خالصاً، وليس فيلماً عربياً عاماً، هو شيء بين بين، تماماً كحالة المجتمع الذي حاول تمثيله في تلك المرحلة الانتقالية الدقيقة من تاريخ المملكة. قيمته الحقيقية ربما تكمن في الأسئلة التي فتحها، والأبواب التي كسرها، مهيئاً الطريق لأصوات سعودية حقيقية لتأتي لاحقاً وتخبر قصتها بطريقتها الخاصة، بأصالة أكبر وعمق فني أرقى، ولكن دون أن تنسى أنها تسير على درب بدأه ذلك الفيلم الجريء الذي تجرأ على السؤال: “كيف الحال؟”.