فلسفة الصداقة والأعشاب.
يتناول الكاتب “لؤي عبدالإله” في كتابه “حين تُغيّرنا عتبات البيوت” سرديات الحياة اليومية على لوحة النّص، يتأمّل فيها تفاصيل الأشياء وهوامش الحياة، ويُحاول تلمّس دلالة تلك التفاصيل وتأثيرها في حياة البشر. ومن ذلك مشاعر نوستالجية وصفية لأشياء كانت مفيدة في حياة البشر في الماضي، ولكن عفا عليها الزمن فأُودعتْ في غياهب النسيان، ومقاربة هذه الحالة بالعلاقات الإنسانية. فعندما نتطلّع صوب أُصيص فخّاري فارغ، نسينا أن نزرعه السنة الماضية في حديقة البيت الصغيرة؛ سنُفاجأ بهذه الأعشاب البريّة أو الطُفيلية أو غير المرغوب فيها ناميةً كما يحلو لها، ولم تُطالب بأي عناية أو سقي أو تشذيب، وحين نتلفّتُ حولنا نجد هذه النباتات بازغةً في كلّ المساحات الفارغة المتروكة بين كلّ نبتة ونبتة. وعلى الرغم من كلّ ما نقوم به من اقتلاعٍ مُنتظم لها، ورشّ الفراغات بين بلاطات الحديقة بمُبيد الأعشاب منعاً لها من البزوغ، إلا أنها لو تُركتْ على راحتها فإنها ستُحوّل هذه المساحة إلى غابة كثيفة تُهدّد وجود نباتات الحديقة المجلوبة من محلّات المشاتل، والتي هُيّء لها تُربة خاصّة وتُسقى بانتظام. هذه الأعشاب غير المرغوب فيها تّذكّرنا بالثورة التكنلوجية التي بدأت بأجهزة الترانزستور في أوائل الستينيات، وانتقلت إلى الكمبيوتر والإنترنت على مشارف الألفية الثالثة، وجعلت أشياءً كثيرة في حياتنا تتحوّل إلى ما يُشبه الأعشاب غير المرغوب فبها! فأشرطة الكاسيت تحولّت إلى أعشاب مع ظُهور الأقراص المُدمجة مما أوجب علينا التخلّص منها، ثم جاءت تسجيلات الفيديو التي تحوّلت كذلك هي الأخرى مع ظهور أقراص الفيديو الرقمية “دي في دي”، وكذلك هو الحال مع أقراص تخزين المعلومات في الحاسب الآلي مع ظهور أقلام “يو إس بي” الصغيرة؛ والتي مكّنتنا من خزن أضعاف ما كان يُخزّن على الأقراص المُدمجة، وغير ذلك من الأمثلة كثير. كم من الرسائل الإلكترونية التي تصلنا كلّ يوم عبر وسائل التواصل الجتماعي من أعدادٍ هائلة من المجهولين من شتّى أنحاء العالم، تُبشّر بظهور هذه السِلعة أو تلك الخدمة، مُستهلكةً قدراً كبيراً من ذاكرة أجهزة الحاسوب، فطريقة بزوغها وتناميها شبيهة بالأعشاب غير المرغوب فيها والتي يتوجّب إزالتها بدأبٍ كلّ يوم. ولو أردنا إعمال الخيال قليلاً، وقُمنا بتفعيل نظرية “الأعشاب غير المرغوب فيها” التي تحدّث عنها الكتاب في فضاءٍ أشمل، لوجدناها ربما تنطبق على بعض العلاقات الإنسانية كالصداقة مثلاً، فالصداقة ربما تكتسب نفس الأهمية أو أكثر من العلاقات العاطفية والعائلية، لكن ما يُميّزها عن غيرها هو امتلاكها بٌعداً إضافياً: هو الحُريّة. إن حُريّة إنهاء العلاقة مع الصديق مؤشّر على الانتقال إلى مرحلة حياتية جديدة، ومن هنا يُمكن القول بأن علاقة الصداقة يُمكن أن تنتهي، ولكن الصداقة نفسها وشمٌ لا يُمكن إزالته. إن أحد الأسباب وراء انتهاء العلاقة بين الصديقين هو طبيعة الصداقة كمرآة، فالصديق عبر صديقه الذي يُصبح مرآة له؛ يكتشف جوانب في نفسه لا يٌريد أن يعرفها الآخر، ولذلك فهو بإنهاء العلاقة التي تجمعه بصديقه يٌقصي مرآةً لم يعُد وجودها مُريحاً بالنسبة إليه. كما أن هناك سبباً آخر يتعلّق بطبيعة الصداقة؛ التي تتضمّن قَدراً من التنافس اللّا شعوري، فالصديق يقيس عبر المرآة مدى نجاحه أو فشله، من خلال مُقارنته بنجاح أو فشل صديقه. ولذلك فإن بعض العلاقات البشرية نفسها قابلة لأن تتحوّل مجازاً، مع ظروف ومُتغيّرات الحياة اليومية، من أعشاب غنية نافعة إلى أعشاب غير مرغوب فيها، فالتحوّلات الفكرية والمزاجية والنفسية التي يمرّ بها بعض البشر خلال مسيرة حياتهم، تجعلهم أحياناً خُصوماً لأصدقاء الأمس، أو في أحسن الأحوال غُرباء عليهم. ففي روح الإنسان تلك الحالة المُلتبسة التي تتقلّب فيها الإشارات الضوئية ما بين الأحمر والأخضر، من دون المرور باللون الأصفر.. بين أن يكون الطرف الآخر عُشبة نافعة أو عُشبة غير مرغوب فيها، إذ قد يكون قد أصبح من الصنف الثاني لدى صديقٍ ما من دون إعلامه بتغيّر موقعه عنده.. ولعل الحالة مع علاقة الصداقة، عندما يتحوّل الطرف الآخر فيها إلى شبه عُشبةٍ غير مرغوب فيها، هي الأكثر إيلاماً من كلّ الحالات التي يتمّ فيها الاستغناء عن أشياء كانت ملء السمع والبصر في حياة الناس، بفعل تطوّر الحياة العصرية وتقدّم التقنية والمنتجات الحديثة التي حلّت محلّها.