عقدة المقامات الشرقية وتأثيرها السلبي على تطور الموسيقى.

الموسيقى العـربيـه تعـتبر جـزءً من الموسـيقى الشـرقيـه، وبالأخص الفارسـيه والتركيـه، وهي تخضع لنفس القـوانين والقـوالب والمقامات. ولو تأملنا في مسميات قوالبها ومقاماتها وأسماء أوتار العـود لوجـدنا أنها فارسـية أو تركيـه بحـته، وهي تعتمد على ما يعرف بالمقامات، وهي كثيرة ومعقدة، ويذهب كثير من النقاد الضالعين بأسس الموسيقى إلى إلصاق تهمة تخلف الأغنية الشرقية بشكل عام والعربية بشكل خاص عن مواكبة الأغنية العالمية إلى كثرة مقاماتها وتعقيداتها. وإنما مايهمنا أن نعرفه هنا هو أن أغلب هذه المقامات يدخل فيها نغمـة “الثلاثة أرباع التون”، وهـذه النغمـه ليست معروفه وليست مسموعـه لدى الغرب، وليسـت لها رموز أو قواعد تدرس لديهم، وبالتالي فهي نغمـة “شـاذه” بالنسـبة للأذن الغـربيـه. فالآلة الرئيسـية المعتمـدة عالميـاً لتدريس الموسيقى عـنـد الغـرب هي ( البيانـو )، وهذه الآلة ليس بها ثلاثـة أرباع التون. فمن المؤكد بأن الذي سوف يستمع إلى موسيقى بها هـذه النغمـه سوف يعتقد بأنها نشازاً موسيقياً، فلن يستسيغ الإستماع إلى تلك الموسيقى. وقد سبق أن كتبت عن عجز الأغنية الشرقية بشكل عام والعربية بشكل خاص من الوصول إلى العالمية، وإن جميع الفنانين العـرب لم يتمكنوا حتى الآن من الوصول إلى العالميه ، ولا أعتقـد أن أحـداً يمكن تحـقيق ذلك مسـتقبلاً. وهذا ليس انتقاص من القـدرات أو الإمكانيات للفنانين العـرب ولا هـو تجاهل لتاريخهم الفني الزاخر بأجمل الأغاني ذات المستوى الرفيع، ولكن يجب أن نعلم بأن مفهوم العالمية ليس بهذه البساطة التي قـد يتصورها البعض، ويكفي أن نعلم إنه لم يصل للعالمية أي مطرب عربي على الإطلاق، وهذا يشمل جميع عمالقة الغناء والموسيقى العرب، وعلى رأسهم الموسيقار محمد عبد الوهاب والموسيقار رياض السنباطي وكوكب الشرق أم كلثوم وعبد الحليم وفيروز وطلال مداح ومحمد عبده وغيرهم. أما الإشكاليـة الأخـرى التي تعـرقـل عـولمـة الأغـنيـه العـربيـه فهي تكمن في المقاميـه الموسـيقيه المعـقـده والغـير مبرره. فلو عـرفنا بأن عـدد المقامـات الشـرقـيه التي كانت سائده عـلى الساحـه العـربيه منـذ مطلـع القـرن العشـرين قـد تجاوز عـددها 360 مقاماً لأدركنا المحـنه التي تعانيها الأغـنيـه العـربيه. وهـذا العـدد الكبير جـداً كان منفـراً للـدارسين في معاهـد الموسـيقى العـربيـة مما اضطـر الكثير منهم إلى الإلتحـاق بمعاهـد تدريس الموسـيقى حسب المناهج الغـربية، التي تخلـوا من كل التعقيـدات ولكنها أيضاً تخلـوا من ثلاثة أرباع التون الذي يعـتبر من أهم ما يميز الموسيقى الشرقيـه نظـراً لتوافقها مع طبيعـة وإحساس النفس الشـرقيه. وسـبب بلـوغ عـدد المقامات الشـرقيه إلى هـذا الكـم الهائل والمذهل هـو تحـويل (تصـوير) المقامات الأسـاسـيه على سـلالم مختلفـة. فمثلاً مقام (الراسـت) سـلمـه الأصلي يبـدأ من درجـة ال (دو)، فإذا حـول إلى سـلم (صول قـرار) يتغـير ليتخـذ لـه إسـم مقاماً آخـر يعـرف ب (يكاه)، ومقـام (الكـورد) سـلمه الأساسي ( ري( فإذا تحـول سـلمه إلى ال (دو) تغـير إسـم المقام ليصبح (حجـاز كار كورد). ومقام السـيكا يعـد من أكثر المقامات تصويراً على درجات سـلم مختلفة، لذلك فهو يتخــذ عـدة مسميات، كالهزام، وراحت الأرواح والعـراق وغـيرها. فهـذا التعـدد لمسميات المقام الواحـد يؤدي إلى التشتت والحـيره وينفـر الدارسين للموسـيقى. فالتعصب للمقامات الشرقية من قبل الموسيقيين العرب إنما هو تعصب أعمى. فالمقامات الشرقية المطروقة في العالم العربي ليست عربية على الإطلاق، إنما هي مقامات فارسية بامتياز. فليس هناك ما يسمى مقامات عربية، وإنما نحن العرب قد تلقيناها من الفرس والترك كما هي ولم نجدد فيها أو نضف إليها شيئا ولم نسعى إلى تطويرها. وهذا نقد ذاتي لنا كعرب. فعندما ننسب المقامات الفارسية لنا فنحن في واقع الأمر نستولى على حق ليس لنا. ولا أدل على كلامي هذا من الرجوع إلى أسماء بعض مسميات المقامات تاتي نسميها مقامات عربية وسوف تتضح لنا بجلاء هذه الحقيقة. فلنلقي نظرة سريعة على بعض مسميات المقامات المطروقة في كافة دول العالم العربي بأصولها وفروعها: مقام الراست، البياتي، النهاوند، العجم، السيكاه، الكرد، الصبا، النوا، النوا أثر، السوزول، الكوشي، جهار كاه، هزام، نكريز، فرح فزا، شاهناز، زنجران، بوسلك، طرزنوين، يكاه، نيروز، ماهور، سوزدالارا، بستنكار، والقائمة تطول. فهل هذه المسميات عربية؟ فمنذ عام 1932 الذي عقد فيه أول مؤتمر للموسيقى العربية في القاهرة والمحاولات لم تتوقف للحد من المبالغة في تعدد المقامات الغير مبررة. وقد تم الإعتراف رسميا ب أربعة وعشرين مقاماً من أصل 360 مقاما بحسب أبعاد السلم الموسيقي الشرقي. ومع ذلك سوف نجد أن بعض هذه المقامات ما هي إلا تحويل أو تصوير السلم الأصلي للمقام إلى سلالم أخرى، والأمثلة على ذلك كثيرة. فمقام (الراست) مثلاً سلمه الأصلي يبدأ من درجة ال (دو)، فإذا حول إلى سلم آخر مثل سلم (صول – قرار) فيسمى مقام (يكاه)، ومقام ال (كرد) الذي يبدأ سلمه الأساسي من درجة ال (دوكاه) إذا ما تم تحويل سلمه إلى درجة ال (دو) يتغير إسم المقام إلى مقام (حجاز كار كرد)، ومقام الحجاز الذي يبدأ سلمه الأصلي من درجة ال (كرد) إذا تم تحويله إلى درجة ال (دو) فيصبح إسمه (حجاز كار) وسلم النهاوند الذي يرتكز سلمه الأساسي على درجة ال (دو) إذا حوا سلمه إلى درجة ال (صول) يتحول إسمه إلى مقام (فرح فزا)، إلى آخر ذلك من القائمة الطويلة. فالمقامات الشرقية الأساسية لا يتجاوز عددها ثمانية مقامات. أربعة منها تحتوي على ثلاثة أرباع النغمات وأربعة أخرى خالية من ثلاثة أرباع النغمات، وهي كالتالي: مقامات تحتوي على ثلاثة أرباع النغمات هي (راست – بياتي – صبا – سيكا) مقامات لا تحتوي على ثلاثة أرباع النغمات هي ( عجم - نهاوند – حجاز – كرد) إن المعـرفـه بالمقامـات وتصـويراتها لا شك إنه مهم جـداً لكل من الملحـن والمطـرب والموسـيقي، ويجب على كل من أراد التعمق في فهم الموسيقى ومقاماتها أن يلم بها وخصوصاً الملحنين، ولكن يجب أن يكون الإلمام بها ومعـرفتها لا تتعـدى ربطها بالمقام من السلم الأساسي. فإذا ما تم تصوير المقام على درجـة سلم أخـر احتفظ المقام بإسـمه الأصلي منسـوباً للدرجـة التي يصور عليها. مثال ذلك: إذا حـولنا درجـة مقام ال “كـورد” من درجة ال”الدوكاه” إلى درجـة ال “دو”، فإنه بدلاً من أن نبدل تسميته إلى “حجـاز كار كـورد” نبقي على إسم المقام الأصلي ويصبح إسـمه “كورد” على درجـة ال “دو”. وبذلك يمكن الحصول على 16 مقاماً مصوراً على درجات السلم الكروماتيكي بالإضافة إلى الثمانية الأساسيين. فلو أننا تخلينا عـن نرجسيتنا واعـتدادنا بشـرقيـة موسيقانا المبالغ فيـه كثيراً وحاولنا أن نسـتفيـد من التجـربة الغـربيه في البناء المقامي، لأمكننا من تجاوز الكثير من العقبـات والعقـد وحلقنـا بموسـيقانا في الفضاءات الرحبـه دون المساس بثوابت الموسيقى الشـرقيـه. فالموسيقى الغـربيـة تنتهج إسلوب غاية في البساطه بالنسبة للمقامات، والتي تسمى لديهم بالسلالم الموسيقيه، حيث أنهم يعتمدون على مقامين أساسين فقط، هما المقام الكبير ((Major والمقام الصغير (Minor) و يتفرع منهما عشرة مقامات مصورة على درجات السلم الكروماتيكي. ومن هـذه المقامات المحـدودة يسـتخـرجون أنغـاماً في غايـة الروعـة والعـذوبة والسـمو. فلو أننا انتهجنـا هـذا الإسـلوب في تعليمنا لمبادئ موسيقانا لأمكن تسهيل المادة الموسيقيه على الطالب وجعلها أكثر قبولاً واسـتيعاباً... وأنا شخصياً قـد بدأت بانتهاج هـذا الإسـلوب في تدريسي للموسيقى منذ ما ينوف على عشرين عاماً. هـذه الإشكاليـه في تعـدد أسـماء المقامات وتعقيداتها وأسمائها الغـريبـة والثقيلـه عـلى الأسـماع تعـتبر أحـد العقبـات التي تحـول دون تطور الأغنيـة العـربيـه وفشل وصولها للعالمية. هذا بالإضافة إلى عجز الموسيقى الشرقية المبنية على مقامات تحتوي على ثلاثة أرباع النغمات من أن توزع أوركسترالي بوليفوني عالمي، ذلك أن التدوين الموسيقي العالمي خال من علامات الثلاثة أرباع النغمات. فلو أخذنا مثلا عملا موسيقياً مدونا على درجة “السيكا” أو “البياتي” أو “الراست” أو “الصبا” إلى أي دولة غربية أو أمريكا فلن تستطيع فرقها الأوركسترالية من عزف ذلك العمل الموسيقي. فخلاصة القول هو، إذا ما أردنا أن تدخل موسيقانا الشرقية النادي الموسيقي العالمي فسوف يتطلب منا ذلك التخلي عن أربعة مقامات شرقية تحتوي على ثلاثة أرباع المقامات والإبقاء على الأربعة مقامات الأخرى. فكم من الأعمال الإبداعية يشار إليها بالبنان كانت من المقامات الخالية من ثلاثة أرباع النغمات. فرياض السنباطي له الكثير من الألحان من مقامات مثل ال “كرد” و “العجم” و “النهاوند” و “الحجاز”، وكذلك فعل محمد عبد الوهاب ومحمد القصبجي ومحمد الموجي وغيرهم من عمالقة الموسيقى والتلحين في العالم العربي، وكذلك سلك نفس النهج رواد التلحين السعوديين، مثل طارق عبد الحكيم وجميل محمود وغازي علي وعمر كدرس وسامي إحسان وغيرهم. * كاتب وباحث ومؤلف موسيقي