قراءة في مجموعة حسن البطران القصصية (أمشي و بجواري تمشي سلمى) ..
كثافة الترميز واتساق الرؤى وتعدد السياقات و وحدة المنظور.
مجموعة تتألف من ستة عشر ممشىً قصصياً ، فقد أحب صاحبها أن يسمي كل أربع قصص فيها ممشىً ؛ تنتمي إلى فن القصة القصيرة جداً، وقد سلّط الضوء على المقصود بالممشى في نهاية المجموعة بقوله : “ ما زلت مستمراً بالمشي ، لم أنتهِ من مشواري بعد” قذ يفهم من ذلك التقاطه لمشاهد وظواهر حيّة تتشكل في وعيه فيصوغها فناً سرديّا في إطار هذا الفن الومضة كثافةً وتركيزاّ، ينطوي على أبعاد تأويليّة بالغة الإيحاء و الثراء ، من هنا يمكن الولوج إلى هذه المجموعة . ولكن العتبة الأولى المتمثّلة في العنوان ودلالته الثنائية وفعلهما المشترك (المشي) و الإهداء ، و تعميمه على النموذج المتخيّل للمرأة المثالية ثلاثيّة الصفات (جميلة ونقيّة و متّزنة) وتخصيصها ب(سلمى) وهو اسم له إيحاءاته اللُّغوية و الشعبيّة ، فهو من السّلامة و السّلم لغةً ، وهو اسم شخصية ذات سمات غنائيّة تاريخيّة شعبيّة (يا سلمى رِقّي) كما تتردّد في الأغنية الشهيرة . ولعل ما يلفت الانتباه أن هذه المجموعة عقد منظوم ، يفصل بين كل وحدة من خرزاتها فاصل ، فهي وحدات : لكل وحدة منها دلالة مشتركة ؛ ففي الممشى الأول على سبيل المثال تأتي أربع قصصٍ : في القصة الأولى (دمعة نوارس) إيذان بالرحيل وهجرة إلى المجهول ولغز غامض : فيمَ الرحيل ومغادرة البحر وهذا الربكة ؟ وكأنه يمهد لحدث جلل تحتلّ فيه المرآة مكانة مركزيّة ؛ فالبكاء والحزن والفقد طابع الوقائع المختزلة في هذه القصة، ويأتي ما يوضّح هذا الغموض في القصة الثانية (إنصاف) فهي تتحدّث عمن وصفوها له (المرأة) وهذا يفسّر بكاء النساء في القصة الأولى للرحيل ، وتأتي الدهشة ماثلة بغواية الجمال التي انتابت الرجل فصلّى بلا وضوء ، ثم تأتي القصة الثالثة (وجع) في جملتين قصيرتين ، وكأنّهما طعنتين تنطويان على مفارقة الألم والابتسام ، أما الرابعة (طرقات) فتفسّر الموقف المفارق في القصة السابقة ، حيث الطرقات التي تنفتح بعدها آفاق الأمل و الظفر : أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته و مدمن الطرق للأبواب آن يلجا يتّكيء الكاتب في هذه السرديات على الإيحاءات الرمزيّة التي تتكاثف في سياق الوصف والحركة والإيقاع السريع و المتغيّرات و الألوان واحتشاد الدلالات التي تنبثق عن حراك الحدث في محدودّيته واتساع أمدائه ؛ ففي الممشى الأخير يتم التركيز على اللون وتحوّلاته حضوراً وغياباً ، وهذا يتضح في عناوين القصتين : الأولى و الثانية (أنوف حمراء،برق) وليس من شك أن الألوان تدّخر ثراءً رمزيّاً هائلاً في الفنون القوليّة والرسم ، ليس هذا فحسب ؛ فثمة انطلاقة نحو دلالات أخرى نفسيّة واجتماعيّة : العزلة والاندماج والقوى الخفيّّة و الاندفاع الذاتي والتأثير الجماعي و الهم الشامل و البكاء المشترك ، غياب المعنى وحضور المحنة : ضبابيّة وغموض و وضوح ساطع كما الشمس في رابعة التهار و التداخل و التفاعل، كثافة المعنى وخفاء المغزى وحضور التأويل ؛ فالسوق الخالية والازدحام الماثل : حضور الغريب و اختفاء القريب :نقد صريح وتقريع عميق حضور للغياب و غياب الحضور يمثله عنوان القصة ؛ أما الثعبان الذي يخلع ثوبه فهو الاستكشاف الوجودي لحضور المفارقات في بنية المخلوقات ، معركة الحياة و الموت ؛ الخير الذي ينبثق من جدار الشر ، استحضار لذاكرة التجربة وأسرار الحياة ويظل اللون والضوء والأمل و اليأس وثنائيات الحرب و السلم و الضجيج و الهدوء و الأمل و اليأس هذه المفردات و نقائضها ، معجم البثّ و مسار الدلالة في هذه القصص التي تحتفل بالرمز وتستدعي التأويل ، فالثياب المسربلة بالدم الآحمر والذهب في حلقات مَجمع النقائض، فهي علامات على تجربة البشريّة في صراعاتها ودورة الحياة ؛ ثمة يأس و أمل وخطوب داهمة و آمال زاهرة دورة الحياة و سُنّة الوجود ولقطات وعيٍ في رؤى الفنان وصياغة النصوص (فزع الأم وبيع الحلي وصرخات الرجل ومداهمة الحرب ) لوحة الشقاء وثمرات الصراع ومنغّصات الوجود وارتباك الكينونة وفي (تقاسيم اللوحة) خيال فنّان يرسم خارطة الوجود بمختلف أطيافها وديناميّات حراكها، التنوّع والتفاوت والتعايش، وفتنة المال وانسحاق الضعفاء وانهيار جسور الائتلاف، وسيادة المطامع و تطلعات الثراء ، وبحث عن الخضرة و السلام . التساوق بين طبائع الحيوان والإنسان ومفارقة الخوف والأمان؛ فقد تكرر حضور الثعبان وانقلاب طبائعه في بعض قصص المجموعة والتوازي بينه وبين البشر ؛ كما تماهت الطفولة في صغار الفراخ (الصوص) ابتنى الشاعر أمثولته الرمزية (الأليجوريا) كما في قصة (دفء غير مشروع) فالأب يسير مع الطيور الجارحة والطفل لم ينبت ريشه بعد و الثعبان الرحيم ينهض بدور الأب و الأم الرؤوم ، اختراق لسجف المألوف و المعتاد. التعامل مع كل قصة منفردة عن الآخرى وإن كان من الممكن التأويل و التحصيل ؛ ولكن ربطها مجتمعة في سياق واحد أكثر ثراءً وأقرب إلى تفسير حرص الكاتب على تقسيم المجموعة إلى ما يشبه الفصول ؛ ففي الممشى الرابع عشر أربع قصص : بطولة وجثة ودفء غير مشروع و زبد ، وبين هذه القصص الأربع خيط جامع نتبيّنه إذا أطلنا التحديق في أحداثها وإنها – وإن تباينت في الظاهر - تشابهت في الباطن) فهي تصوّر بعمق خفايا تتعلّق بما يمكن اعتباره أحد عناصر (التابو) الذي يعتبر الاقتراب منه في المقاربات المعتادة من التخوم االمحرمة - وإن كان من الأمور التي لها شأنها في العلاقة المشروعة بين الجنسين - ولكن الكاتب يتناولها بذكاء لافت ؛ ففي الأولى (بطولة) يتحدّث عن البعد النفسي لهذه العلاقة ، حين يحاول الزوج إخفاء عجزه عن القيام بواجبه تجاه زوجته بعد سفر طويل يجعل الزوجة في شوق لزوجها ؛ ولكنه متعب غير مهيّأ لما تبتغيه ، فيعبّر عن هروبه بعبارة كنائيّة بالغة الدلالة يوجهها لها حين تسأله عن وجهته عند مغادرته البيت فيجيبها بقوله أنه يريد ( البحث عن ماء دافيء لكلينا) و في القصة الثانية (جثة) تتجلّى المفارقة في استعداد الزوجة وتهيئها للقاء الحميم بينهما والإحباط الذي منيت به عند اللقاء المنتظر فتحول إلى جثة هامدة ، وفي قصة (الدفء غير المشروع) يُلمّح الكاتب بذكاء إلى رحلة الأب مع (الطيور الجارحة الموسمية بحثا عن البيئة و الفريسة) إلى هدفه غير الأخلاقي بحثاً عن المتعة مع رفاق الشر وترك ابنه وزوجته للثعابين ، أمثولة بالغة الدلالة ؛ أما في القصة الرابعة (زبد) فمغزاها شديد الوضوح في منظومة الشهوة و الجنس ؛ فهو يشير إلى أن بطل القصة كان يرى أن الساق (تركها مبهمة دون تعريف) لا تطاول موج البحر ؛ ولكنه أدرك بعد أن (التفت الساق على الساق) أنها أطول من موج البحر ، وهذا التناص القرآني الموحي يعبر عن المفارقة التي هي جوهر الفن فإيحاءاتها الجنسية شديدة الوضوح. لعل ما أشرت إليه من استثمار الكاتب لما يمكن اعتباره محور الرؤيا في كل ممشىً يصدق على مجمل ما يمكن اعتباره فصولاً جامعة لهذا الفيض السرديِّ الزاخر الذي يتوالى كزخّات المطر التي تتوالى تباعاً، ففي الممشى الثالث عشر تأتي القصة الأولى في سطرين يوجزان بؤرة الرؤية في هذا الممشى وكأنهما عتبة الدلالة ، فثنائيّة الأفعى و السِّكين فيها تومئان إلى خيارين ، فحينما صحا البطل من نومه وجدهما إلى جانبه كان عليه أن يختار ، فالصحوة تمثل يقظة الوعي على خيارات مطروحة ، كل منهمما يمثل نهجاً، وهو ما فسرته القصص الثلاث التالية : الأولى تحت عنوان (اتجاهان ) ويتعلقان بالمسألة السابقة حول خيارين ماثلين حين أقبل شهر رمضان : الحفاوة و الجفوة و الابتسام و البكاء ، الموقف الروحي من هذه الشعيرة الإسلامية ، ونجد امتدادا لها في القصة التي تلتها (شرع) الهروب إلى السرير واللواذ به اعتذراً عن أداء صلاة الفجر ، وهذا العذر النسائي الشرعي المقبول ، وفي هذه القصة مفارقة تتمثّل في الوقوف على الحافّة الحرجة بين الصدق و الكذب ، وإلماحة لا تخلو من الانتقاد في خفة و رشاقة تليق بهذا الفن ، وفي القصة الرابعة (حينما لا أموت أكون حيّاً) تكتمل الدائرة ؛ فالحوار بين موقفين وجيلين : الأب والابن حول (القديم و الحديث) ولهما علاقة وطيدة بما قبلهما ، فالخياران التراث و ما ينطوي عليه من مذخور روحيٍّ ثم جاء الحوار بين الأب و الإبن لحسم الموقف بما يرمز إليه الأب بوصفه مُمثِّلاً للبعد التراثي الروحي الذي سيظل حيّاً وإن مات صاحبه . وهكذا يمضي الكاتب في هذه المجموعة يدور كل ممشى حول فكرة أو انطباع أو رؤية تتكاثف أحياناً فتحجبها التفاصيل التي تتشابك على نحو مُلغز يكاد يتبين فيه الخيط الأبيض من الأسود بالكاد ، ولكن الرؤى فيها تتراسل و تتكاشف و يسلّط بعضها الضوء على بيعض ، وتختلف التقنيات و إن ظلّت في إطار هذا الفن و معطياته وتقنياته و أسراره ؛ فتارةً يطول الشريط اللغويُّ حتي يتجاوز السطور الخمسة عدداً و يقصر حيناً فلا يبلغ أكثر من سطرأو جملتين ، وتبدو المفارقة فيه ساطعة كعين الشمس و تتوارى أحيانا أخرى فلا تظهر إلا بمجهر البصيرة دون الباصرة ، ويغلب فيها السرد على الوصف ويتقاطعان أحياناً ؛ ولكن الوصف يأتي في صورة سرديّة لا يكاد يغادرها ، وكذلك الاختزال الذي تأتي فيه الجمل مبتورةً ولكنها مفهومة ، وتقنية الترميز فيها تتراوح بين (الأمثولة) مُنتظمةً في سياق دلاليٍّ واضح وتأتي أحياناً أخرى في إيحاءات رمزيّة أو تناصّات مُشعّة ؛ وفي كل الأحوال لا تفقد خاصيّتها الدلاليّة ولا معانيها الشفافة وآفاقها التأويليّة المفتوحة.