المواطن مسؤول .. والمسؤول مواطن.

في المشهد السعودي الجديد، لم تعد العلاقة بين المواطن والمسؤول علاقةً عمودية تُبنى على المركزية القديمة أو على سرديات التراتب الإداري، بل أصبحت علاقة دائرية مكمّلة، يعيد كل طرف فيها إنتاج دوره و وعيه على نحوٍ يجعل الدولة أكثر صلابة.. وأكثر قدرة على مواجهة التحديات. وفي قلب هذا التحوّل تأتي الفكرة الجوهرية: «المواطن مسؤول .. و المسؤول مواطن». هذه ليست عبارة إنشائية، بل إطار وعي جديد، يمثل شكلاً من أشكال الأمن الفكري الذي تحتاجه المرحلة، ويُعدّ أحد أهم مرتكزات استقرار المجتمع والدولة. كان النموذج التقليدي يصوّر المواطن كمتلقٍ للخدمات، يطالب ويحاجج، بينما المسؤول هو الطرف الذي يقدّم ويقرر، لكن هذا النموذج لم يعد موجوداً في المملكة اليوم. فمع إعادة بناء مفهوم الدولة الحديثة، وتمكين البشر قبل البنى، أصبح المواطن شريكاً لا متفرجاً، وعنصراً فاعلاً لا مجرد صاحب مطالبة. هنا تُعاد صياغة المواطنة بوصفها سلوكاً و مسؤولية.. فالمواطن لا يكتفي بممارسة دوره المدني، بل يساهم في حماية المنظومة التي ينتمي إليها: يحافظ على النظام، يحمي المعلومات، يلتزم بالقوانين، يواجه الشائعات، يرفع جودة الخطاب العام، يراقب الفساد و يبلغ عنه، ويعتبر نفسه جزءاً من بناء بلده لا مجرد مستهلك لموارده. هذا التحول من “مواطن متلقي” إلى “مواطن مسؤول” هو جوهر الأمن الفكري الحديث. الأمن الذي يبدأ من وعي المجتمع قبل أن يبدأ من أدوات الدولة. وحين نقول إن المسؤول «مواطن»، فهذا ليس لتقليل شأن منصبه، بل لتأكيد بوصلة الانتماء قبل أي بوصلة أخرى. فالمسؤول ليس كياناً منفصلاً فوق المجتمع، بل هو فرد من هذا المجتمع اختارته الدولة ليحمل أمانة. حين يستوعب المواطن أن المسؤول هو ابن الوطن، يخضع للقانون، ويُحاسَب، ويتأثر بالقرارات مثله مثل غيره، تنتفي الكثير من الفجوات الذهنية التي تستغلها بعض الخطابات السلبية. كذلك المسؤول حين يرى نفسه «مواطناً» قبل أن يكون مديراً أو وزيراً، يكتسب حساً أعلى بالواجب .. يدرك أن كل قرار ينعكس على أسرته كما ينعكس على أسر غيره، وأن المنصب ليس امتيازاً بل تكليف، وأن التاريخ الوطني لا يرحم من تخلّى عن شرف الخدمة العامة. هذا الفهم المزدوج يصنع ثقة، والثقة هي الأمن الفكري الحقيقي الذي يحمي الدول الحديثة من الداخل. في زمن تتغير فيه السرديات بسرعة، وتتحرك فيه الشائعات كالنار في الهشيم، تصبح فكرة «المواطن مسؤول» حصناً إضافياً للدولة. فالأمن الفكري لا يقتصر على مواجهة التطرف أو حماية القيم فقط.. بل يشمل رفع درجة الوعي لدى الفرد بحيث يتحوّل إلى جهاز رصد.. يحلل، يقيّم، يرفض الانجراف، ويقاوم التشويه. عندما يتحول كل فرد إلى خط دفاع، يصبح المجتمع كله منطقة آمنة. وعندما يدرك كل مسؤول أنه مواطن أولاً، تصبح قراراته أكثر اتزاناً، ويصبح تواصله مع الناس أكثر شفافية، ويضيق المجال أمام أي محاولة لخلق فجوة بين الدولة ومجتمعها. الأمن الفكري اليوم ليس شعاراً دينياً ولا أمنياً.. هو ثقافة وطنية تنتج مجتمعاً يقظاً، قادراً على قراءة العالم، وعلى حماية صورته و هويته. إن الجملة «المواطن مسؤول.. والمسؤول مواطن» تحمل بداخلها عقداً وطنياً متجدداً .. عقد يقوم على التفاعل لا التنازع، وعلى الثقة لا الريبة، وعلى وضوح الأدوار دون تعارض بينها. فحين يمارس المواطن وعيه، لا يسلب دور الدولة، بل يكمّله، وحين يمارس المسؤول سلطته، لا ينفصل عن المجتمع، بل يتقدم صفوفه. هذا التكامل هو ما جعل السعودية اليوم أكثر قدرة على التحول، وأكثر سرعة في الإنجاز، وأكثر ثباتاً تجاه المتغيرات الإقليمية والعالمية. ولذلك يمكن القول إن الأمن الفكري السعودي في هذه المرحلة يعتمد على تحصين العقول بقدر ما يعتمد على بناء المؤسسات. إن بناء وعي جديد قائم على أنّ «المواطن مسؤول.. و المسؤول مواطن» ليس مجرد تطوير لغوي، بل هو نقلة ثقافية في فهم الدولة والمجتمع. فالدولة الحديثة لا تُبنى بالقوانين فقط، بل تُبنى بشعور كل فرد بأن له دوراً، و أن مشاركته ليست خياراً بل ضرورة. وعندما يحمل المواطن مسؤوليته، ويحمل المسؤول مواطنته، تتوحّد الدائرة، و يصبح الوطن أكثر من مجرد جغرافيا.. يصبح مشروعاً جماعياً صنعه الجميع ويحميه الجميع.