النجاة لا البطولة.
نشأنا وتربّينا وكبرنا -بوعيٍ أو من غير وعي- على تمجيد البطولة. ذلك البطل الذي يجب أن نكونه جميعًا. البطل الذي لا يسقط، الذي يصمد مهما حدث، ذلك البطل الذي يتحمّل فوق طاقته، والذي يخرج من المعارك مرفوع الرأس، وإن كان مهشّم القلب. تعلّمنا أن طلب العون ضعف، وأن الانسحاب خذلان، وأن التراجع هزيمة، وأن الاستمرار هو البطولة والأفضلية مهما كان الثمن. لكننا لم نجد من يخبرنا أن النجاة أسمى من البطولة. في لحظة ما من العمر نكبر ونكتشف أن تلك البطولة التي صفق لها الآخرون ونالت إعجابهم، لم تكن نحن، ولم تكن لنا، بل كانت استنزافًا بطيئًا لأرواحنا، وقلوبنا، ومشاعرنا، وطاقتنا. ندرك أننا كنا نحارب في معارك لا تخصّنا، ولم نجني شيئًا من انتصارنا فيها. كنا نُصرّ على البقاء في أماكن قد تؤذينا، فقط لأننا نريد أن نكون أقوياء وأوفياء. النجاة الحقيقية ليست هروبًا، بل وعيٌ ضروري. النجاة هي أن ندرك متى علينا أن نتوقف، متى نبتعد، متى نضع السلاح جانبًا، ومتى نختار أنفسنا، عوضًا عن الصورة التي يريد الآخرون أن يرونا بها. ليست كل خسارة خسارة، وليس علينا خوض جميع المعارك من حولنا. فأحيانًا يكون انتصارنا الحقيقي أن نخرج أحياء من تجربة ما، لا جرحى باسم الصمود. النجاة قرار شجاع يجب أن ينبع من داخلنا. أن نقول: كفى، لأننا واعون، لا لأننا عاجزون عن الاستمرار. أن نعترف بتعبنا دون خجل، وأن نمنح أنفسنا راحة دون مبرّر. اعتدنا في ثقافتنا أن نحب القصص التي يكون الانتصار في نهايتها، وأن نمجّد الألم، ونحوّل المتألم إلى بطل. لكننا لا نحب القصص التي تنتهي بهدوء، وننسى أن الله لم يخلقنا لنتعذّب، بل لنُحسن العيش. قال تعالى: }قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ{ (النساء:97). النجاة تكون في ترك كل ما يستنزفنا، من علاقات، أو عمل، أو أي شيء آخر. النجاة في التخلّي عن صورتك القديمة التي لم تعد تشبهك الآن. النجاة ألا نُسلّم قلوبنا بالكامل لأي شيء، ولا نُسلّم عقولنا كاملة لأي أحد. النجاة أن تكون نفسك، بكل رضا، وسعادة، وسلام، ووعي. والشجاعة العظمى هي أن نختار الحياة، حتى وإن لم يصفّق لنا أحد.