فيلم فلسطين 36..
الثورة الأولى من صفحات التاريخ إلى الخلود عبر سينما تنطلق إلى العالمية برؤية نسائية.
لحظة الظلم في التاريخ واحدة لكنها مستنسخة لمرات ومرات، باسم الإله والدين والوحدة.. أو باسم القومية، يشد الإنسان قدم الآخر إلى جحيم سيكون مصيرة هو كذلك في المرة المقبلة، صورت السينما العالمية تهجير اليهود وتعذيبهم في مشهد تاريخي ما يزال يؤرق ضمير العالم لكن المشهد ذاته يُعاد بحذافيره ضد الفلسطيني وبذات الأيد المكلومة قبل قليل فقط، الآن توثق السينما ما حدث و يحدث من زاوية عميقة داخل النفس الإنسانية، تفهم جيداً أن الشر يكرر نفسه بعدة صور، ويستمر الإنسان الأقوى في إقصاء الأضعف وسلبه كل ما تبقى له من حرية وكرامة، بل ومحوه تماماً واحتلاله فكرياً وثقافياً ومصادرة حقه في الوجود، وإذ تقدم السينما هذه اللحظة على الشاشات ليرى العالم أن الدول العظمى _النظيفة الآن _ والتي تصفق للسلام في مقصوراتها، إنما تصفق بكفوف متسخة ومبلله بالدماء التي لن تجف. تعود سينما الفلسطينيين سينما (آن ماري جاسر) لتنحت في الزمن لحظة القهر الفلسطينية، وتحكي الأيام التي التوى فيها كاحل الأمة العربية لتجثو على ركبتيها بينما يجتث الغرب قلبها (القدس)، وتصدير هذا التاريخ سينمائياً بهذه الصورة المدهشة التي توحد مصير الانسان والأرض، وترسل عبر السينما تلك الأسئلة التي عجز العالم عن الإجابة عليها، ترسل للأجيال التي نسيت أو جهلت ملف البدايات كما هو، منذ الحجر الأول والرصاصة الأولى، في صنع مقاومة وحراك ناعم لكنه بالغ الأثر. والمتابع للسينما العالمية سيجد حتماً عشرات الأفلام التي تناولت مأساة اليهود وتهجيرهم، وإحراقهم على يد النازية بشكل مأساوي، لكن السينما لم تتناول الفصل اللاحق من القصة، بعد أن تم إحلال المهاجر اليهودي على الأراضي العربية بالإخضاع والقوة، لتبدأ هنا حكاية أخرى لتهجير وقتل وإحراق شعب آخر، السينما الآن هي صوت التاريخ وهي الومضة الخالدة التي ترسل الصورة كما هي إلى العالم كله، بل وتخلدها في ذاكرة الزمن. وهنا أستعرض فيلم فلسطيني جميل بكل المقاييس، سينمائيا وفنيا، وهو فيلم «فلسطين 36» وهو من الأعمال السينمائية العربية المهمة التي تتناول مرحلة مفصلية في التاريخ الفلسطيني ثورة 1936 ضد الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني، بمعالجه إنسانية وسياسية من خلال شخصيات تعيش التمزّق بين المقاومة والخوف، والخيانة والأمل، و ينطلق الفيلم من واقع فلسطين في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث كانت البلاد ترزح تحت الحكم البريطاني الذي وفّر الغطاء السياسي والعسكري للهجرة الصهيونية. لا يكتفي الفيلم بتصوير الثوّار بوصفهم أبطالًا أسطوريين بل يقدّمهم كأشخاص عاديين لديهم عائلات و مخاوف، وتردّد، وهذا البعد الإنساني يمنح العمل صدقه، ويجعل المشاهد أكثر قربًا من الشخصيات، إذ تتحوّل الثورة من حدث سياسي إلى تجربة وجودية يعيشها الإنسان الفلسطيني يوميًا، والصوت النسائي حاضر بقوة في الفيلم فهو يجعل من المرأة صاحبة قرار وقدرة على تحريك الأمور والانتفاض والرفض شأنها في ذلك شأن الرجل. يعالج «فلسطين 36» موضوع الخيانة بحساسية عالية، مظهرًا كيف يمكن للضغط والخوف والمصلحة الشخصية أن تفتّت المجتمع من الداخل أحيانًا أكثر مما يفعل السلاح، أما سينمائياً يعتمد الفيلم على أجواء قاتمة نسبيًا، تعكس ثقل المرحلة التاريخية، مع استخدام مدروس للصمت، واللقطات الطويلة، والفضاءات المفتوحة التي ترمز إلى الأرض بوصفها جوهر الصراع، لا يسعى العمل إلى الإثارة السطحية، بل إلى بناء شعور متراكم بالاختناق والقلق، وهو ما يخدم رسالته السياسية والإنسانية، وهو فيلم عن استمرارية القضية الفلسطينية، يذكّرنا بأن جذور الصراع أعمق من اللحظة الراهنة وأن ما نراه اليوم هو امتداد تاريخي لسياسات بدأت منذ عقود، ينجح فيلم «فلسطين 36» في الجمع بين التاريخ والإنسان، وبين السياسة والأخلاق، ليقدّم عملًا سينمائيًا يحمل قيمة فنية ومعرفية إنه فيلم لا يقدّم إجابات سهلة، بل يدعو المشاهد إلى التفكير، وإعادة النظر في معنى المقاومة، والهوية، والاختيار في زمن الاحتلال. الفيلم للمخرجة وكاتبة السيناريو(آن ماري جاسر) و هي الكاتبة والمخرجة للفيلم، وتُعدّ من أبرز المخرجات الفلسطينيّات، وقد سبق لها إخراج وكتابة عدة أفلام فلسطينية هامة ،وُلدت عام في بيت لحم، ونشأت بين فلسطين والولايات المتحدة، و تُعدّ من أبرز الأصوات السينمائية الفلسطينية المعاصرة، ومن أوائل النساء الفلسطينيات اللواتي أخرجن أفلامًا روائية طويلة عُرضت عالميًا، و ترى (آن ماري جاسر) أن المقاومة ليست فقط بالسلاح، بل أيضًا بسرد القصة، والسينما عندها لا تعتمد الخطاب الدعائي المباشر، بل تركّز على الإنسان الفلسطيني العادي، المرأة، الطفل، المنفي، العائد، المتردّد، والحائر، وكأنها تبتعد عن صورة البطل الثوري المثالي، وتقدّم شخصيات متناقضة و خائفة أحيانًا وكأنها تبحث عن ذاتها بقدر ما تبحث عن الوطن، وهي ترى أن تعقيد الشخصية هو ما يجعل القضية أكثر إنسانية وتأثيرًا، و أحد المحاور الثابتة في أفلامها سؤال الانتماء، و معنى العودة هل هي مكان؟ أم ذاكرة؟ أم وهم؟ و كونها مخرجة فلسطينية، تولي اهتمامًا خاصًا بـالمرأة كفاعل لا كضحية فقط و إعطاء النساء صوتًا مستقلًا داخل السرد السينمائي، وفيلم (فلسطين 36) أكثر أفلامها مباشرة سياسيًا، لكنه لا يتخلى عن البعد الإنساني، و فيه تتبلور رؤيتها بالكامل للتاريخ بوصفه حاضرًا مستمرًا، والاهتمام بالمكان بوصفه ذاكرة وكأن (آن) كسرت احتكار الصوت الذكوري في السينما الفلسطينية و نقلت القضية من الشعار إلى التجربة كما أسهمت في تعريف العالم بالسينما الفلسطينية كفن، لا كبيان سياسي فقط، في سينما تسأل أكثر مما تُجيب، وتُربك أكثر مما تُطمئن، لكنها تفعل ذلك بصدق إنساني عميق، هي لا تقول لك ماذا تفكّر، بل تجعلك تفكّر. أما طاقم التمثيل فالفيلم يتميّز بوجود فرقة ممثلين فلسطينيين وعالميين منها “هيام عباس” “صالح بكري” و “ياسمين المصري” و”كامل الباشا” و “ظافر العابدين”، حصد الفيلم جائزة أفضل فيلم في مهرجان طوكيو السينمائي الدولي لعام 2025، وجائزة الجمهور لأفضل فيلم دولي في مهرجان ساو باولو السينمائي الدولي، كما تم اختيار الفيلم ليمثّل فلسطين رسميًا في سباق جوائز الأوسكار الـ98 (2026) في فئة أفضل فيلم دولي غير ناطق بالإنجليزية، هذا يعني أنه يدخل ضمن الترشيحات المتنافسة على دخول اللائحة القصيرة للأوسكار. تأتي هذه العودة إلى ثورة 1936 امتدادًا طبيعيًا لمشروع سينمائي طويل، بدأ بسؤال المنفى والعودة، ومرّ بتفكيك العائلة والهوية، ليصل هنا إلى الجذر الأول للانكسار الفلسطيني. في هذا الفيلم، لا تقول (آن ماري جاسر) أن التاريخ انتهى، بل تؤكّد أن ما نعيشه اليوم ماا هو إلا تكرارٌ محسوب لما لم يُحاسَب عليه العالم بالأمس، “فلسطين 36 “ ليس فيلم ذاكرة فقط، بل فيلم اتهام اتهام لصمت طويل ولعدالة انتقائية، ولسينماٍعالمية احتاجت عقودًا لتلتفت إلى أن الضحية يمكن أن تتبدّل أسماؤها، لكن آلية الظلم واحدة و بهذا المعنى، لا يعرض الفيلم الماضي كي نبكيه بل يعرضه كي نفهم الحاضر ونُدرك أن الشر حين لا يُواجَه لا يختفي… بل يتقن التنكّر.