لماذا نكتب؟!

يبدو سؤال «لماذا يكتب الكتّاب؟» بسيطًا، لكنه في الحقيقة يشبه سؤالًا من نوع: لماذا يتنفس السمك؟ بعضهم يكتب لأن الكتابة ضرورة، وبعضهم لأنها لعبة ذكية، وآخرون لأنها الطريقة الأقل كلفة للعلاج النفسي (هذا الدافع لن يعترف به أحد) , وبين هذا وذاك، تتعدد الإجابات وتتشابه الدهشة. يقول جورج أورويل إن للكتابة أربعة دوافع رئيسية: الأنانية الصافية، والحماسة الجمالية، والدافع التاريخي، والغاية السياسية , قد تبدو «الأنانية» كلمة فظة، لكنها صادقة؛ فالكاتب، في لحظة ما، يريد أن يُرى ويُسمَع، وأن يقول: «كنت هنا، ولاحظت هذا» , أورويل لا يعتذر عن ذلك، بل يبتسم ضمنيًا وهو يقرّ به. أما جوان ديديون، فإجابتها أقرب إلى الاعتراف الهادئ إذ تقول إنها تكتب لتعرف ما تفكر فيه، وكأن الفكرة لا تكتمل إلا حين تمشي على الورق , الكتابة هنا ليست استعراضًا، بل مصباحًا صغيرًا نضيئه داخل الرأس لنرى الأثاث المتكدس من الأفكار , وربما لهذا يشعر بعض الكتّاب بالارتباك إن طُلب منهم شرح آرائهم شفهيًا؛ فالأفكار لم ترتدِ ملابسها بعد. أما فيرجينيا وولف فتقترب من المسألة من زاوية مختلفة, فهي تربط الكتابة بالحرية: حرية الوقت، وحرية المكان، وحرية العقل. الكاتب يكتب لأنه يريد مساحة يتنفس فيها بعيدًا عن الضجيج، ولأن الكلمات تمنحه غرفة إضافية في هذا العالم، حتى لو كانت بلا نوافذ أحيانًا. وعند هاروكي موراكامي، تبدو الكتابة أشبه بالركض لمسافات طويلة، فهو يصفها بأنها عادة يومية، انضباط قبل أن تكون إلهامًا. هو يكتب لأنه يحب الاستمرار، لأن الاستيقاظ والجلوس والكتابة فعلٌ يحافظ به على توازنه الداخلي , لا أسرار سحرية، فقط مثابرة وكوب قهوة! إضافة إلى ما سبق، يمكن أن نوسّع دائرة الإجابة بإدخال غابرييل غارسيا ماركيز، الذي قدّم واحدًا من أكثر الأجوبة دفئًا وإنسانية عن سؤال «لماذا نكتب؟». ماركيز لم يتعامل مع الكتابة بوصفها فعلًا ذهنيًا فقط، بل كامتداد مباشر للحياة نفسها , ففي حواراته ومقالاته، خصوصًا في حديثه عن بداياته الصحفية، كان يؤكد أنه يكتب لأن القصص تطارده، ولأن الواقع في أميركا اللاتينية أغرب من الخيال، ويحتاج إلى من يرتّبه في حكايات. ماركيز قال مرة إن الكتابة محاولة لإنقاذ الذكريات من النسيان , هو لا يكتب ليخترع عالمًا جديدًا تمامًا، بل ليمنح الحياة اليومية فرصة ثانية للبقاء, الجدّة التي تحكي حكاية، والقرية التي يتكرر فيها الزمن، والحب الذي لا يموت رغم كل شيء؛ كلها تفاصيل كان يخشى أن تضيع إن لم تُكتب , هنا تصبح الكتابة فعل مقاومة، ليس ضد السياسة أو السلطة فقط، بل ضد التلاشي! الطريف في جواب ماركيز أنه لا يبدو فلسفيًا متعاليًا، بل بسيطًا كمن يقول: «أكتب لأنني إن لم أفعل، ستضجّ رأسي بالقصص». وهو بذلك يلتقي، من حيث لا يدري، مع جوان ديديون في فكرة أن الكتابة وسيلة للفهم، ومع موراكامي في كونها عادة يومية، ومع أورويل في رغبة الكاتب بأن يترك أثرًا , لكن نكهته الخاصة تكمن في إيمانه بأن الحكاية الجيدة لا تحتاج تبريرًا؛ يكفي أنها صادقة وممتعة. لو جمعنا هذه الإجابات، سنجد أن الكتّاب يكتبون لأسباب نبيلة وأخرى عادية جدًا , يكتبون ليغيّروا العالم، أو ليفهموه، أو ليحتملوه , يكتبون لأن الصمت طويل، ولأن الكلام الشفهي يضيع، بينما الجملة المكتوبة تملك فرصة صغيرة للبقاء. وربما يكتبون أيضًا لأنهم لا يجيدون فعل شيء آخر بنفس الحماسة!