بعضٌ من هذيانِ حسن.
بدا لي وأنا معلقٌ بين السَّماء والأرض أن أكتبَ شيئًا لم أكتبه من قبل، وتبادر إلى ذهني سؤالٌ حادٌّ: هل بوسع الإنسان أن يخرج من لحظته إلى لحظةٍ أخرى؟! قلتُ لنفسي: أتمرد هذا؟ لكني أدركت أنَّ النفس لا تستطيع أن تبقى حبيسة زمنها، ولو بقيت لفقدت جوهر وجودها! أفلسفةٌ هذه يا حسن؟! شعرت أنَّ نفسي تستنطق وعيي، وتسعى لتجريده من حقه في التَّفكير خارج الحدود، لعلى انجرفت مع التَّساؤلات دون أن أفصح عن غرضي من الكتابة، ألم أقل إني ذاهبٌ إلى خارج اللَّحظة؟! إلى خارج الزَّمن، وخارج ما نألفه، إلى شيءٍ نسميه أدبًا، وفنًا، وتوازيًا مع الواقع؟! كنت قد قرأت عن نظرية الأبعاد، وأنَّ الإنسان يعيش في ثلاثةٍ أبعادٍ: طولٌ وعرضٌ وارتفاعٌ، وهي ليست خطوطًا هندسيةً جامدةً، بل تفسيرٌ عظيمٌ لكيفية وجود الإنسان، وعندما أضاف أينشتاين البعد الرابع، وهو بعد الزمن، فسَّر ذلك فكرة الوجود الإنساني القائم على الحركة، لكنَّ أينشتاين لم يصل إلى أنَّ الفنون والآداب تضيف بعدًا آخر يسكنه عباقرة الفنون والآداب؛ الذين يصنعون أبعادًا أخرى، من دونها يسقط الإنسان في رتابة الوجود المادي، فالآداب والفنون متعاليةٌ على الأبعاد الأربعة، بل أراها بعدًا خامسًا لن يقبله علماء الفيزياء، وهو ما افترض وجوده أسلافنا عندما قالوا إن للشاعر قرينًا من خارج حدود الوجود الإنساني، وسموا أرضه بوادي عبقر، وادي الجنون، لكنه رمزيًا واقع عباقرة الفنون والآداب، في أي أرضٍ وتحت أي سماءٍ. نعم أنتم -معشرَ الأدباءِ والفنانين- يجوز لكم ما لا يجوز لغيركم، فلغتكم متعاليةٌ، وخيالكم محكومٌ بالتَّوازي والتَّعالي على الواقع، واللغة -بالنسبة لكم- ليست معنىً فقط، بل أحاسيسٌ وحدسٌ ومغامرةٌ، وعالمٌ داخليٌّ لا يمكن تفسيره إلا بتذوق ما لا يمكن القبض عليه. وأنا هنا على متن الطائرة -الَّتي صنعها خيال الإنسان قبل علمه-أرى تحقُّقَ حلم الإنسان في الطَّيران بوسائل تقبل تطبيق أهم ما في الأبعاد، وهو الارتفاع ضمن حركة الزمن التي اكتشفها المعلم أينشتاين، ففكرة الطَّيران ذاتها ليست إلا مغامرة خيال فنانٍ، مغامرةً تجاوزت منطق اللُّغة والممكنات حتَّى جسدت الأحلام واقعًا. يا ليل ما أطولك!! قالها عاشقٌ في ركنٍ من أركان المعمورة -وهو يعيش حساب الزمن بمنظوره- وليس بمنظور الوقت المادي: ألا أيها اللَّيل الطويل ألا انجلي بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثلِ هذياني طالَ، وطالَ، وطال، ولا أدري هل كتبتُ ما لم أكتبه من قبل؟ لكن بالتَّأكيد هذا استدراجٌ لكم، فبعد كل كتابةٍ نبحث عن كتابةٍ أخرى نجدّدُ بها تجاوز حدود الواقع من حولنا.