حارس الذائقة وراعي النصوص النبيلة.
في مشهدٍ ثقافيّ يتكاثر فيه الضجيج، وتتضاءل فيه المسافة بين القول والاستهلاك، يطلّ عادل الحوشان بهدوءٍ مغاير، بهالة مثقف يعرف أن الكلمة لا تُرمى في الفراغ، وأنها حين تُصاغ بإخلاص تصبح عالماً صغيراً، يحتضن الذاكرة ويصقل الفكرة ويهذّب الوجدان. حضورٌ لا يتوسل الضوء، لكنه يصنعه على مهل، كما يصنع الراعي ظلاله وحكمته في البراري المفتوحة. في نصوصه، يتقدّم الذئب بوصفه استعارة كونية حيّة؛ كائناً يتأرجح بين الافتراس والاعتذار، بين الغريزة والحكمة، وبين الكبرياء والندم. هناك تتشكّل فلسفة الحوشان في صورتها الأصفى: تأمّل عميق في المصير، وفي هشاشة الإنسان عندما يواجه ذاته مجردة من الأقنعة، عارية من ضجيج التبرير. يكتب وكأنه يعبر حقلاً من الرموز، كل خطوة فيه محسوبة على نبض المعنى، وكل صورة مشغولة بصبر ناسكٍ يدرك أن الأدب امتحان للضمير قبل أن يكون احتفاءً باللغة. ذئبه ليس حيوان غابة، وإنما كائن وجودي يهمس للسلالة البشرية عن قانونٍ غائر في الطبيعة، عن توازنٍ يحمي الحياة ويؤثر بقاءها على نشوة الغلبة. ومن هذا المعبر الرمزي يعبر إلى الإنسان المعاصر، إلى قلقه اليومي، إلى علاقته المرهقة بالمؤسسات، إلى شعوره بأن الروح تُستنزف في ممرات الانتظار والرتابة واللامبالاة. وفي مقالاته التي تلامس الشأن العام، يحتفظ الحوشان بصفاء نادر؛ لا يجلد الواقع بدافع التشفي، ولا يهادنه خوفاً من المواجهة، وإنما يضعه على مشرحة الضمير، كمن يفتش عن علاجٍ لخلل مزمن لا عن متهمٍ يُلقى به في العتمة. يكتب بوعي المواطن وبصيرة المثقف، متسائلاً عن كرامة الخدمة، وعن معنى العدالة الإجرائية، وعن الإنسان الذي يفترض أن يكون بؤرة كل مشروع تنموي لا ظله المنسي. أما في عالم النشر، فيتجلى وجهه الآخر: شريك حقيقي في صناعة الذائقة، وحارس أمين لنصوص تستحق العبور إلى القارئ بكرامة وجدارة. إنه يؤمن بأن الكتاب رسالة ذات أثر تراكمي، وبأن الرهان الأهم هو على العمق والصدق والاستمرارية، فيبدو كراعٍ يسير خلف قطيع من الحروف، يطمئن على نصوصه كما لو كانت أطفالاً في عاصفة، ويمنحها الأمان لتكبر على مهل، لا على عجل السوق. يحرس المعنى من التبديد، ويصون الجملة من السقوط، ويؤمن أن كل كتاب يولد ليصنع ذاكرته الخاصة، لا ليذوب في رفوف النسيان. وهنا تتجلّى صورته كمن يحرس حقلاً من القمح بصبر فلاح يعرف أن المواسم لا تُختصر. عادل الحوشان يشبه غيمةً تعلّمت كيف تمطر دون أن تجرح السماء، وذئباً أدرك أن القوة الحقيقية تكمن في الاعتراف لا في الافتراس. يمضي في طرقه متكئاً على صبرٍ داخليّ نادر، ناسجاً من التعب تاجاً شفافاً للروح، ومن الحبر درباً لمن أرهقهم الضجيج واشتاقوا إلى معنى؛ يسير على تخوم المعنى، متأبطاً لغة حيّة، ومضيئاً للآخرين دروباً لا تُرى إلا لمن يملك قلباً يقظاً وعيناً تتأمل. هو من أولئك الذين يعملون ويكتبون ويصادقون ليتركوا في النفس ندبة جميلة، وذكرى تشبه تنسكاً طويلاً في ليلٍ صافٍ، تضيئه نجمة بعيدة ولا يُنسى أبداً.