مقاربة نقد ثقافي مع نماذج من أدب منطقة حائل..
جدل الهوية بين الخطاب الجمالي والخطاب الاجتماعي.
لم تعد دراسة الأدب اليوم مقتصرة على جماليات النص وبنيته الداخلية فحسب، بل أصبح من الضروري النظر إليه بوصفه بنية ثقافية تمتلك قدرة مزدوجة على إعادة إنتاج الهوية أو مقاومتها، فالنص السردي لا يأتي من فراغ، ولا يتحرك في فراغ؛ بل ينهض من تربة ثقافية تسبقه وتحتضنه وتحدّد أفق الممكن والممتنع فيه. من هنا، غدت الحاجة ملحّة إلى منهج نقدي قادر على كشف ما وراء اللغة من سلطات ومعارف وتمثيلات، والتعامل مع النص الأدبي بوصفه خطابًا ثقافيًا لا مجرّد بناء لغوي مغلق. يمثّل النقد الثقافي – في صيغته العربية الحديثة – أحد أبرز هذه المناهج؛ إذ يسعى إلى نقد الأنساق المضمرة المنغرسة في الخطاب، لا إلى تمجيد الجماليات الظاهرة فحسب؛ وقد قدّم الدكتور عبد الله الغذامي نموذجًا تأسيسيًا لهذا التوجّه، حين نقل مركز الاهتمام من «النص» إلى «النسق»، ومن الجمالي إلى الثقافي، في مشروعه حول النقد الثقافي والأنساق المضمرة في الخطاب العربي. في هذا السياق، تسعى هذه الدراسة إلى قراءة نماذج من أدب منطقة حائل داخل هذا الإطار، من خلال مقاربة إنتاج الهوية في الأعمال السردية لكل من: جار الله الحميد، وصالح العديلي، وشيمة الشمري، باعتبارها نصوصًا تحمل بنى جمالية من جهة، وأنساقًا ثقافية من جهة أخرى، وتشهد صراعًا بين الهامش والمركز، والمكان والتحوّل، والجسد والسلطة. أدب حائل – قراءة نقدية ثقافية في الأنساق المضمرة: تُعدّ منطقة حائل فضاءً سرديًا غنيًا، تتجاور فيه الذاكرة القروية مع التحوّل المدني، وتتقاطع فيه الهوية المحلية مع المشروعات الوطنية الكبرى. وتقدم أعمال جار الله الحميد، وصالح العديلي، وشيمة الشمري، نماذج واضحة لكيفية اشتغال الأنساق الثقافية في النص. • جار الله الحميد: سردية الهامش وتفكّك يقين المدينة يبرز جار الله الحميد بوصفه صوتًا قصصيًا عبّر مبكرًا عن الهامش الإنساني والاجتماعي في الأدب السعودي. في قصصه، لا تظهر المدينة بوصفها وعدًا بالخلاص، بل كحيّز تتكثّف فيه مشاعر الاغتراب والانتظار والفقد. الشخوص عنده لا تهزمها الكوارث الكبرى، بل تسحقها التفاصيل الصغيرة: غرفة ضيقة، راتب هزيل، طابور طويل، مدينة لا تعترف بوجودهم إلا كأرقام في الهامش. من منظور ويليامز، تُجسّد هذه القصص البنية الشعورية لجيلٍ يعيش معلّقًا بين القرية والمدينة؛ لا هو قادر على العودة إلى يقين القرية، ولا هو مندمج تمامًا في منطق المدينة. ومن منظور فوكو، تعمل المدينة هنا كـ«جهاز ضبط» يومي؛ لا يلوّح بالعقاب الظاهر، لكنه يُنتج ذاتًا خائفة، مترددة، تستبطن الإحساس بالدونية. أما في ضوء غرامشي، فيمكن النظر إلى الحميد بوصفه مثقفًا عضويًا ينحاز إلى الفئات المهمّشة، ويمنحها لغةً تُسجّل حضورها في الحقل الثقافي، وتُقاوم صورة المدينة المنتصرة في الخطاب الجمعي؛ إن اختياره للقصة القصيرة المكثفة، والإيحاء بدل التصريح، ووضع الحدث في الخلفية لصالح أثره النفسي، كلّ ذلك يُسهم في تفكيك النسق الجمالي المطمئن لصالح نسق جمالي مقلق يفضح هشاشة المركز نفسه. 2. صالح العديلي: المكان ذاكرةً للمجتمع وأنساق التحوّل في مشروعه الروائي – كما في أعمال مثل «الأديرع» و«عيال الحدريين» – يتحوّل المكان عند صالح العديلي إلى أرشيف ثقافي حيّ؛ إذ يُعيد رسم الحارات القديمة، والبيوت، والعلاقات، واللغة اليومية، ليقدّم صورة بانورامية لتحوّل المجتمع الحائلي عبر عقود؛ الرواية هنا لا تُؤرّخ للأحداث بقدر ما تُؤرّخ لـ«الشعور» المصاحب لهذه الأحداث. من منظور ويليامز، تُجسّد هذه الأعمال بنية شعورية لجماعةٍ ترى عالمها القديم يتصدّع تحت وطأة التمدّد العمراني والتغير الاجتماعي. ومن منظور فوكو، يمكن قراءة المكان بوصفه حقلًا للسلطة: من يملك رأس المال الرمزي في الحي؟ من يمتلك حقّ الكلام؟ من يتمّ نبذه أو تهميشه؟ وكيف يتغيّر توزيع السلطة مع تغيّر بنية المكان نفسه؟ يكشف العديلي، سرديًا، عن نسق التحوّل الذي يُعيد تشكيل الهوية الفردية والجمعية: فالشخصيات تتحرك بين مركز صغير (الحارة/القرية) ومركز أكبر (المدينة/العاصمة)، وبين منظومة قيم تقليدية وأخرى حديثة. وفي هذا المسار، تُختبر العلاقات، وتُعاد صياغة مفهوم الانتماء والكرامة والمستقبل. هكذا يُعيد النص تعريف السؤال: من نكون حين يفارقنا المكان الذي شكّلنا، أو حين نفارقه نحن؟ 3. شيمة الشمري: الجسد واللغة ونسق الجندر تأتي تجربة شيمة الشمري لتُضيف بعدًا حادًا في جدل الهوية والجندر داخل أدب حائل؛ في كتاباتها القصصية والنقدية، ينطلق السرد من الجسد الأنثوي بوصفه ساحة مُحاطة بخطابات متراكمة: خطاب العائلة، وخطاب الدين المؤوّل اجتماعيًا، وخطاب الأعراف، وخطاب الأدب نفسه الذي طالما مثّل المرأة بصورة معينة. تصرّح الدكتورة شيمة بأنها «تواجه قمع اللغة للأنثى»؛ وهذه عبارة كاشفة عن وعيها بأن المشكلة ليست في الواقع وحده، بل في اللغة التي تصف هذا الواقع، وفق فوكو، تُمارَس السلطة عبر الخطاب؛ وحين تُعيد الشمري كتابة الجسد والذات الأنثوية بلغة متمرّدة على القوالب، فهي تُمارس فعل مقاومة رمزي ضد نسق جندري مهيمن. ومن منظور الغذامي، يمكن قراءة نصوصها بوصفها تفكيكًا للنسق المضمَر الذي يجعل المرأة ملحقًا بالرجل، أو موضوعًا للنظر لا ذاتًا ناظرة. تمثّل شخصياتها، في كثير من الأحيان، كائنات هشّة من الخارج، لكنها تمتلك في عمقها مخزونًا من الوعي والأسئلة والرفض، يتحوّل عبر الكتابة إلى «أنثى لغوية» تشبه ذاتها، لا ما يرسمه لها خطاب الهيمنة. هكذا تُجسّد شيمة البنية الشعورية النسوية في حائل: إحساسًا مزدوجًا بالانتماء والاختناق؛ رغبة في الانخراط الفاعل في الحياة العامة، ووعيًا حادًا بحدود النسق الاجتماعي. والسردية هنا لا تكتفي بوصف هذا الوعي، بل تشتغل على إعادة تشكيله. نحو نموذج تفسيري – «السردية النسقية»: انطلاقًا من التحليل السابق، يمكن اقتراح مفهوم «السردية النسقية» بوصفه إطارًا تفسيريًا يجمع بين: البنية الجمالية للنص: من حيث السرد، واللغة، والبناء، والشخصيات. البنية الثقافية: من حيث القيم، والرؤى، والتمثيلات، والصور الذهنية. البنية النسقية المضمرة: من حيث الهيمنة، والمقاومة، والتراتبية، والسلطة. وفق هذا النموذج، لا تُقرأ سرديات جار الله الحميد وصالح العديلي وشيمة الشمري بوصفها أعمالاً أدبية فحسب، بل بوصفها حقولاً لتمثّل وتحليل الأنساق الثقافية: عند الحميد: يتجلّى نسق الهامش/المركز، واشتغال المدينة كسلطة حديثة تُنتج ذاتًا مغتربة. عند العديلي: يتجلّى نسق المكان/التحوّل، وتتحوّل الرواية إلى أرشيف للذاكرة الجماعية ومختبر لتحولات الهوية. عند الشمري: يتجلّى نسق الجندر/السلطة، وتتحول الكتابة إلى فعل مقاومة لغوية وثقافية تعيد توزيع الصوت بين الذكورة والأنوثة. بهذا المعنى، فإن «السردية النسقية» هي السردية التي تعي نسقها؛ لا تنخرط في إعادة إنتاج الخطاب المهيمن بلا وعي، بل تكشفه أو تزحزحه أو تقترح بدائل له. ويتيح هذا التصور توسيع القراءة إلى آداب مناطق أخرى في المملكة والعالم العربي، ضمن أفق نقد ثقافي يربط بين الهوية والسرد والسلطة. الخاتمة: تبيّن من خلال هذه الدراسة أن السردية الأدبية لا يمكن فصلها عن السردية الثقافية؛ فكل نص سردي ينطوي على شبكة من الأنساق المضمرة التي تُنتج الهوية أو تعيد تشكيلها؛ وأظهر تحليل نماذج من أدب حائل أن: الأنساق المضمرة أقوى أثرًا من البنى الجمالية الظاهرة؛ فهي التي تحدد موقع النص من الهيمنة أو المقاومة. أدب حائل يمثّل مثالًا نموذجيًا لصراع الهوية في مجتمع يشهد تحولات عمرانية واجتماعية وثقافية متسارعة. يكشف جار الله الحميد نسق الهامش والمركز، ويقدّم المدينة بوصفها فضاءً للاغتراب لا للتحقق. يكشف صالح العديلي نسق المكان والتحول، ويحوّل الرواية إلى فضاء لكتابة الذاكرة الجماعية وتأمل التحول. تكشف شيمة الشمري نسق الجندر والسلطة، وتحوّل الجسد الأنثوي واللغة إلى ساحة مقاومة لخطاب الهيمنة. كما تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في إنتاج نسق جديد للهوية قائم على السرعة والاستهلاك والخوارزمية، ما يستدعي وعيًا نقديًا مضاعفًا عند قراءة السرديات الرقمية. وعليه، يمكن القول إنّ إدماج منهج النقد الثقافي والأنساق المضمرة مع دراسة السرديات المحلية – مثل أدب حائل – يمثّل مسارًا واعدًا لفهم أعمق لعلاقة الأدب بالهوية والسلطة في السياق السعودي والعربي المعاصر.