تنهض القصيدة، في أفقها الجمالي العميق، بوصفها فعلًا وجوديًا لا يكتمل إلا في لحظة التلقي، حيث يتحقق المعنى باعتباره أثرًا ناتجًا عن تفاعل دينامي بين النص والقارئ. وهذا ما ينسجم مع مفهوم «الإثوس» عند أرسطو، بوصفه الأثر النفسي والمعرفي الذي يتركه الخطاب في المتلقي، لا من خلال منطقه الحِجاجي فحسب، بل عبر صورته الذهنية، ومن هذا المنطلق، تتجاوز القصيدة حدود التعبير الجمالي لتغدو نسقًا دلاليًا مفتوحًا، تتقاطع فيه الذات الشاعرة مع الوجود، ويتحوّل فيه القول الشعري إلى ممارسة تأويلية للكينونة. في ديوان «ما يشبه الخبز فينا» للشاعر إبراهيم الوافي، تتجلّى هذه الرؤية عبر اشتغال معجمي لافت على وحدتي «الخبز» و«القصيدة» في علاقة تشاكلية لا تقوم على التماثل السطحي، بل على توازٍ وجودي عميق. إذ يُستدعى «الخبز» بوصفه شرط البقاء اليومي، وتُستدعى«القصيدة» بوصفها شرط المعنى. ومن ثمّ، لا يعود السؤال: هل نعيش بالقصيدة؟ سؤالًا مجازيًا، بل يتحول إلى مساءلة حول جدوى الوجود نفسه خارج أفق الشعر، وهذا مايدل عليه مدخل قصيدة «البقاءُ معًا»: هل تغادر يومك؟ أم يغادرك؟.. لست أتساءل بقدر ما أبحث عني بين حطام بقاياك..حيث تأخذك الساعة إلى مينائهاالبحر.. ويأخذك البحر موجة لا تبلغ شاطئه إلا لتنتحر على صخوره؟ كيف إذن تتم المغادرة بينكما وسط هذه التعقيدات الوجودية؟ وأين أكون حينها وليلك بلا ظل.. وظلك بلا نهار..! طرحت عليه هذه الأسئلة بينما كان يبحث في درج سيارته عن عملات نقدية يستكمل به ريال الخبز اليومي.. حين عاد إلى بيته فقط ورأى في عيون زوجته الحياة، وفي ضحكات أولاده الحلم دخل إلى غرفة يومه وأخذ يكتب: للصباح يحدث أطفاله كي جاء من الليل..! كيف احتوت خوفه نجمة رقصت في سطوح السماء، قامت لتنشر نصف ملابسها.. كيف ظل يعد جواربها جوربًا جوربًا..وهي ترقص للريح تترك نصف ملابسها للجفاف، وأسماءها للسهر.. يقول بيقيت لها..أو بها.. حين تفتح نافذة للقمر تنام فأبقى أراقبها ...حيث أرى الليل يمضي...فأوقظكم للمدارس ..ثم أسير لعمّكم الظل أسأله من يقيم هناك ونحن هنا..! للصباح.. أنا ..! تقدّم الذات الشاعرة منذ البدء سردية شعرية تقوم على تفكيك ثنائية الحضور والغياب بوصفها توترًا بنيويًا يحكم علاقة الكائن بزمنه ومكانه. فالسؤال: «هل تغادر يومك أم يغادرك؟» لا يُطرح للاستفهام بقدر ما يُطرح لزعزعة يقين الاستقرار، حيث يغدو اليوم كائنًا مراوغًا، وتغدو الذات متشظية تبحث عن نفسها بين «حطام بقاياك». حيث هذه الملفوظات لا تنتج معنى نهائيًا، بل تفتح فضاءً تأويليًا يُبقي الكينونة في حالة توتر وقلق دائم. ويمضي الديوان في تكثيف هذا القلق عبر نقلنا من المجرد الوجودي إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول الأشياء البسيطة من قبيل:«درج السيارة، العملات النقدية، الخبز اليومي» إلى علامات سيميائية كثيفة، تُعاد شحنتها الدلالية داخل السياق الشعري. فالبحث عن «ريال الخبز اليومي» لا يُقرأ بوصفه فعلًا معاشيًّا فحسب، بل بوصفه معادلًا رمزيًا للبحث عن المعنى في عالم استهلكته الضرورة. هنا، تتقاطع الواقعية المرجعية مع الشعرية التأويلية، ليُعاد إنتاج اليومي بوصفه مادة للدهشة، لا بوصفه رتابة زمنية. وعندما يعود الشاعر إلى البيت، لا يعود إلى فضاء الألفة الساكنة، بل إلى بؤرة الحلم المتجدد؛ إذ تتحول الزوجة والأطفال إلى علامات حياة، ويتحول الفعل الكتابي إلى استجابة وجودية لهذا الامتلاء الهش. فالقصيدة لا تُكتب خارج الزمن، بل تُكتب من عمقه، ومن احتكاكه بالليل والصباح، بالخوف والنجمة، بالجسد والظل. إن تداخل الأزمنة في الملفوظ الشعري «للصباح يحدث أطفاله كيف جاء من الليل» يكشف عن بنية تركيبية تقوم على الإدماج في انسجام يعكس وحدة الكائن والكون واللغة. ولا يفتأ الشاعر الوافي يبني ثنائيات الحضور والغياب، والصمت والكلام في قصيدة «الهجرة إلينا» من خلال الملفوظات التالية: كم من قائل هنا أنا ..أم القصيدة ؟ صمت الكلام أم كلام الصمت؟ مع الوقت لا أعرف هل أستمع للصمت أم أقوله؟ هل سأكون أنا أم مايريد قلقي؟ ... هل سأكون أنا أم مايريده قلقي” مالك وكل هذا.. لست إلا ريشة وحيدة في عشٍّ مهجور... شاعرنا يقاوم الغياب بالقصيدة، ويشيّد عوالم استعارية تمزج بين المتناقضات. أي بين الصمت والكلام، وبين الحضور والغياب في شكل بنية استعارية دائرية حيث البداية هي النهاية، والنهاية هي البداية في زمان مفتوح على كل الاحتمالات: سيهدرك الوقتُ لست الزمان الذي كنتَ فيه فلم تمنح الناس أوهامهم لم تكُ تتلو صلاتك للعابرين بدكّان يومك ماكنتَ فيهم بغيًّا ولا عشتَ عنهم قصيًّا ولا جئتَ منهم ثريًّا أنت الفوائض من بركة الذاكرة لا شيء تحتمل الآخرة..! سيهدرك الوقتُ لستَ المكان الذي زرته في الطفولة ماكنتَ فيه الصبيّا ولانمتَ عنه شجيّا ولا عُدتَ منه فتيًّا أنت المغيبُ في حفلة الصمت .. والمستتابُ بلا أسئلة..! لاشيء تحتملُ الأمثلة.. إن متعة النص عبر تشظي المعنى الجمالي يتخذ كما نلحظ من لعبة المرايا والإسقاط المعجمي المتبادل بين الصمت والكلام، والوجود والعدم، والحضور والغياب أنساقًا وجودية تحيا بها القصيدة بوصفها «فوائض من بركة الذاكرة»، وبالتالي يحيا بها الكائن. وهو نسق مفتوح على كل الاحتمالات كما يقول الشاعر: «أبدأ كي أنتهي .. وأنتهي كي أبدأ.. ومع هذا لاعليك..سأبقى دائمًا سرّك الذي لايفضحه إلا التاريخ» بهذا المعنى، تتأسس القصيدة على شعرية سردية لا تلغي الغنائية، بل تعيد توظيفها داخل مسار حكائي يومي، تتحول فيه الأفعال الاعتيادية اليومية إلى لحظات كشف. فــ «الحديث مع الأطفال، والذهاب إلى المدارس، ومخاطبة عمّكم الظل»، كلها أفعال تُسائل الوجود من داخله، وتحوّل القصيدة إلى فضاء تفكير لا يقل عمقًا عن الفلسفة، وإن اختلفت أدواته. ويتكثّف المعنى الشعري عند الشاعر الوافي بوصفه كتابةً ضد السكون، وضد وهم الاكتمال. فـفي قصيدة «الخروج علينا» يفضح هشاشة اليومي عبر مساءلته: ما الذي ينتظرك في؟ وما الذي تنتظره مني...! هذا البحر الزمني الممتد بيننا..! ما الذي يمكن أن يكون شاطئه غير ما احتسبت؟ وكيف لك أن لا تكون لي وبيتك عش عصفور كامت خرج منه ترك فيه ريشة كي يعود إليها..! ذات يوم قلت إنك ستكتبني عمرَا على جدران غرفتك ..ثم حين أدركت أنك منحتها لأولادك حيًّا، آثرت أن تتركها لهم بيضاء بعد أن تموت وحيثما أدركت يقينا أنهم لا يعبأون كثيرا بثرثرات الوقت فيك ..! إن توظيف مفردات «البيت، والجدران، والريشة، والعشّ المهجور... » يحوّل المكان من حاضن للألفة إلى شاهد على العطب، ويجعل من الكتابة نفسها محاولة إنقاذ أخيرة للذات من التلاشي. فالقصيدة، في هذا السياق، لا تمنح الخلاص، لكنها تمنح الوعي به، وتؤسس لمسافة نقدية بين الكائن وما اعتاده. ومن هنا، يتكامل هذا النص الأخير مع الرؤية العامة للديوان: حيث يشبه الشعر الخبز لا لأنه يُشبع، بل لأنه ضرورة، وحيث يصبح الخروج فعلًا داخليًا يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وزمنه، وبين اللغة وحياتها الممكنة. وختامًا، فإن بناء المعنى، وجمالية التلقي للأثر السيميائي في ديوان «ما يشبه الخبز فينا» لإبراهيم الوافي يتم تشييده بالتوازي بين الشاعر السارد والمتلقي الحالم بالجمال أيضًا، وذلك عبر استدلال شعري لساني يستكشف الثنائيات المتوازية والمتناقضة لكنها تتحرك في زمن دائري قلق يجعل من القصيدة فعل بحث دائم عن كينونة الأنا والقصيدة معًا.