أوضح الأستاذ الدكتور أبو أوس إبراهيم الشمسان بأن التأدب سمة من سمات السلوك الإنساني، وإن اختلفت الأمم والمجتمعات في التعبير عنه، والعرب منذ الجاهلية كانوا يراعون التأدب في أوساطهم، ويظهر ذلك في أفعالهم وأقوالهم، وعندما جاء الإسلام زادهم تهذيبًا على تهذيبٍ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما بُعثت لأتمّم صالح الأخلاق)، وأن الإسلام استبدل بعض الألفاظ وهذبها، ومثّل على شيء من ذلك. جاء ذلك في محاضرة قدمها بعنوان: التأدب في اللغة وقواعدها” أدارها د. عبدالرحمن المديرس، في دارة العرب بمركز حمد الجاسر الثقافي ، ضمن فعاليات اليوم العالمي للغة العربية، ضحى السبت 7 رجب 1447هـ الموافق 28 كانون الآخر (ديسمبر) 2025م. واستعرض الدكتور الشمسان بعض الألفاظ والعبارات التي كانت في الجاهلية، وكيف هذَّبها الإسلام للارتقاء في مخاطبة الناس بعضهم بعضا، إضافة إلى مراعاة تجنب اللبس في القول. وقال: إن من مظاهر التأدب في اللغة اهتمام الشعراء بمطالع قصائدهم التي ينشدونها أمام الخلفاء والأمراء، واستشهد ببعض مطالع القصائد. كما استشهد ببعض الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ومثّل على التأدب في دعاء العبد لخالقه عزّ وجل، والتأدب في الإعراب، وما أجمع عليه علماء اللغة في هذا الباب، وخاصة في التفسير والإعراب في القرآن. وأشار إلى أنَّ النحويين واللغويين تأدبوا في مصطلحاتهم وقواعدهم، ومن أوضح أمثلة هذا الأمر تقريرهم أن أسماء الله وصفاته لا تُصغَّر، فأنكروا قول من قال (مُهَيْمِن) مصغر؛ إذ “لما بلغ أبا العباس ثعلبًا هذا القول أنكره أشدَّ إنكارٍ، فكل اسم من أسماء الله معظَّمٌ شرعًا، فلا تصغّر أسماء الله وأنبيائه وملائكته ونحوها. وذكر أن فعل الأمر في الدعاء إن كان من العبد لربه سمّي دعاء؛ تأدبًا مع الله، إذ لا يتوجّه الأمر من العبد لخالقه عز وجل، وقال إن العرفج ذكر مما يدخل في باب الأدب في الإعراب أن يقال عن (لام الأمر) أنها للدعاء إنْ وُجِّه الطلبُ إلى الله، ومن ذلك أنهم يعبرون عند الإعراب بقولهم (لفظ الجلالة). قال أبو حيان عن إعراب (نشدْتُكَ اللهَ) : ولفظ الجلالة منصوب على إسقاط الخافض، مشيرًا إلى جواز التصريح بالخافض فتقول: نشدتك بالله”؛ أي سألتك بالله، وليس منصوبًا على المفعول، واستشهد بعدد من الأمثلة في هذا الأمر. وقال: إن العلماء يتأدبون في تعبيرهم عن لغة القرآن، ومن ذلك تجنبهم تفسير نوع من العطف بأنه على التوهم، كما اقترح ابن مالك أن يستبدل مصطلح (بدل كل من كل) (بدل موافق من موافق) ، كما تحاشوا أن يصفوا لفظًا بزائد أو لغو، وكثير من المتقدمين يسمّون الزائد صلة، كما أعربوا بقولهم (الرفع على المدح)، كما ذهب الباقلاني إلى نفي السجع في القرآن لأنه معاند للإعجاز. وفي ختام محاضرته ذكر أن الناس اهتموا اليوم برعاية التأدب في الخطاب الرسمي فجعلوا ألقابًا تلائم مقام المخاطب، كما نوّه إلى أن اللغة المحكية أيضًا تتضمن آداب المخاطبة مما يلائم المُخَاطبيِن. وأشار إلى أن تجنّب (لا) قديم في الثقافة العربية، فهم يمدحون السخي بأنه لايقول (لا) إلا في لفظ الشهادة (لا إله إلا الله)، وختم كلامه بأنّ العربية لغة علم وأدب. ثم فُتح المجال للمداخلات التي أثرت الموضوع والأسئلة التي تفضل بالرد عليها.