محمد علي قدس..

أمين سر الأدب والثقافة.

عرفت الأستاذ محمد علي رضا قدس قبل نحو أربعين عاماً وبالتحديد عند حضوري ندوة (قراءة جديدة لتراثنا النقدي) التي أقامها النادي الأدبي الثقافي بجدة في الفترة من 9 إلى 15/ 4/ 1409هـ الموافق 19 إلى 24/ 11/ 1988م، كان وقتها يشغل أمين سر النادي إلى جانب زملائه أعضاء مجلس الإدارة برئاسة الأستاذ الراحل عبد الفتاح أبو مدين، وكان لهذه الندوة الأثر البالغ لوجود عدد كبير من الأدباء العرب من مختلف بلدانها، وتكرر اللقاء عند زيارتي للنادي، ومنها تسجيل التاريخ الشفوي مع رئيس النادي الأستاذ الراحل عبد الفتاح أبو مدين بمقر النادي بتاريخ 23/ 5/ 1418هـ وكان القدس شعلة نشاط لا يهدأ ولا يمل باستقباله لضيوف النادي والترحيب بهم وبتقديم ما يحتاجونه من معلومات، تكررت لقاءاتنا عند زيارته ومشاركاته في المناسبات الثقافية بالرياض وغيرها.   هو أكثر من بقي عضواً بمجلس إدارة النادي الأدبي بجدة، بدءاً بمؤسسه ورئيس مجلسه الأول الأستاذ الرائد محمد حسن عواد ومن بعده الأساتذة: عبد الفتاح أبو مدين ثم الدكتور عبد المحسن القحطاني، من 1402 حتى 1427هـ. وبعد عشرين سنة نجده يعود عضواً بمجلس إدارة النادي عند تشكيله الأخير واستبدال اسمه من النادي الأدبي إلى جمعية أدبي جدة برئاسة الأستاذ الدكتور عبد الله بن عويقل السلمي ليضفي بحكم خبرته الطويلة المزيد من العمل الدؤوب في المجال الثقافي.  وقع بيدي كتاب (في أروقة الثقافة) الذي أصدره له النادي عام 1437هـ 2015م والذي قال في مقدمته أنه يكتب عن انطباعاته ويسجل مواقفه وصوره كشاهد على حراك المشهد الثقافي.  وقد بدأ بالقراءة من صغره فهي البوابة التي قادته لبداية الطريق، فقرأ الرواية والقصص للمنفلوطي والسباعي ومحفوظ والهاشمي وغيرهم، وإن كان يعيد الفضل الأول لوالده ومكتبته، وأستاذ اللغة العربية الذي اعتبر مشاركته بمادة التعبير هي الأفضل عن موضوع الاجازة الصيفية، وكذا ما بعثه لجريدة المدينة وهو مازال في السنة الأولى المتوسطة، ونشر في (بريد القراء) عام 1960م.  ويذكر تأثره بالشيخ أبي تراب الظاهري ومعلمه محمد حسن عواد الذي كان يدير مؤسسة الفكر وقدم له مجموعة مواضيع ليطبعها في كتاب - وهو مازال طالباً في المتوسطة - وقد قابله العواد بتعبيرات وجهه بعدم رضاه، ولكنه لم يبخل عليه بالتوجيه والنصح، وعرف «أن الوقت لازال مبكراً للدخول في عالم الإبداع والتأليف».  وهذا يذكرني بما كان للأستاذ أحمد السباعي في بداياته بعد أن أصدر الشيخ محمد سرور الصبان من مكتبته (المكتبة الحجازية بمكة المكرمة) عام 1344هـ كتاب (أدب الحجاز أو صفحة فكرية من أدب الناشئة الحجازية) شعراً ونثراً، وكتاب (المعرض).  جمع السباعي بعض المقالات والخواطر وقدمها للصبان طالباً نشرها، فلم يرده بل قال له ستكلفك طباعته أربعة جنيهات فذهب السباعي لجدته وتحايل عليها لشراء بضاعة فأعطته المبلغ وسلمها للصبان. وبعد أشهر قال له الصبان أنه بعث الكتاب لخير الدين الزركلي بالقاهرة لطباعته، فسافر السباعي للقاهرة وعند مراجعته للزركلي قاله: (شو هالحكي ما وصلني هذا الكتاب) فعاد للصبان الذي أعاد له مسودة الكتاب والمبلغ بأن الزركلي أعاده لعدم اكتماله أو صلاحيته، فأعاد النظر فيه.  ولهذا فقد أعاد القدس النظر وبعد سنوات أصدر أول كتاب له (ومضات في الفكر) من القاهرة، اتجه بعد ذلك لكتابة القصة ومع ظهور تيار الحداثة بدأ بمشاركة حسين علي حسين وسعد الدوسري بأمسية قصصية في نادي جدة وتولى الناقد عثمان الصيني التعليق عليها وتقويمها. وقد علق الأستاذ عزيز ضياء بقوله (الليلة أصبت بالدوار) لعدم معرفته بالنصوص وقراءتهم المستحدثة.  وهذا يذكرني بما سبق أن سمعته من عزيز ضياء أثنا عضوية الدكتور عبد الله الغذامي لنادي جدة وحديثه عن الحداثة والبنيوية والتفكيكية وغيرها، قال: إنني معجب أشد الإعجاب بما يقوله الغذامي ولكني أحتاج لخمسة وعشرين سنة حتى أفهم ما يقول!!  وبحكم عمل قدس بوزارة المالية فهو يتنقل بين مكة وجدة فدراسته الابتدائية بين المدينتين ثم مدرسة الفاروق المتوسطة وكتب أول مقال صحفي بالمدينة (قصة من الحياة) وعندها التحق بثانوية الشاطئ بجدة جمع بين الدراسة والعمل بالخطوط السعودية موظفاً متعاوناً، وكان أول راتب تقاضاه 650 ريالاً عند التحاقه بمعهد الطيران وتخرج في مجال المراقبة الجوية، ثم انتقل للطيران المدني.  بدأ كتابة القصة ونشر (بائعة القطائف) بمجلة الإذاعة، ومع بداية المؤسسات الصحفية تولى إدارة مكتب جريدة اليوم بالمنطقة الغربية.  وفي عام 1400هـ نشر له نادي جدة الأدبي كتاب (من وحي الرسالة الخالدة) فأهداه للملك خالد الذي دعمه بعشرين ألف ريال.  بدأت علاقته بالعواد مع تأسيس النادي الأدبي بجدة عام 1395هـ 1975م، ومع زيارته له عام 1397هـ بالنادي وجد معه الأستاذ محمود عارف الذي امتدح قصته المنشورة بجريدة البلاد فعرض عليه العواد العمل معه بالنادي، فقال إنني مستعد للعمل دون مقابل لأتعلم منكم فقال له تعال من الغد فأعطاه بطاقة العضوية برقم (2) وعمل حتى عام 1428هـ سكرتيراً للعواد ثم أمين سر النادي.  إضافة لعمله الإذاعي الذي بدأ ببرنامج مسابقات رمضانية بعنوان (من هو)؟ وقال إنه أثناء دراسته بالولايات المتحدة في جامعة أيوا عام 1995م بدأت علاقته بالمسرح فقدم برنامجاً إذاعياً مع النصوص المسرحية العالمية ومبدعيها. ويصف علاقته بالرائد محمد حسن عواد الذي عمل معه لمدة ست سنوات: «عشت خلالها قريباً منه ولصيقاً به، أسمع همسه وأقرأ نبض مشاعره، عرفت الشيء الكثير من ملامحه الإنسانية وعواطفه وأحاسيسه، وبساطة الحياة التي كان يعيشها، وما كان في أدبه وخلقه من سمات إنسانية... لم يكن مغروراً ولا متعالياً، كان رحمه الله أليفاً شديد التواضع رغم كثرة خصومه من الأدباء... إن الأستاذ العواد لم يكن سعيداً في حياته، وقد وجدته يمضي من وقته في مكتبه بالنادي... وكنت ألاحظ اضطرابه وتغير نبرة صوته حين يكون على الهاتف إحدى معجباته وتلميذاته من الجنس العطوف كما يسميهن، وعن الحداثة قال: «.. فالحداثة كما قال الشاعر الكبير محمد العلي لا يمكن أن يصنعها فرد أو جماعة. وأن المجتمع هو الذي يصنعها ويخلقها بإنتاج مبدعيه، فليس هناك صانع للحداثة بل مشارك في مشروعها، والمشاركون في ثورة الحداثة كثيرون منهم وفي مقدمتهم (الخزندار)..» ص 158  وعن تجربته بالنادي الأدبي التي استمرت 27 سنة قال: «.. لا أدعي أو أتباهي بما قدمت وأعطيت، لكني ساهمت مع كل الأدباء والمثقفين الذين ساهموا في بنائه..» ص161  وقال: «لدي أربعة أبناء أكبرهم أزاد الذي تخرج من جامعة الملك عبد العزيز في علوم التقنية الطبية.. والذي يليه براء وتخرج من قسم الحاسب الآلي بجامعة الملك عبد العزيز، وصهيب تخرج حديثاً.. والأصغر فارس على وشك التخرج وهما يعملان في الإنتاج السينمائي.  - ترجم له في (موسوعة الأدباء والكتاب السعوديين خلال مائة عام) لأحمد سعيد بن سلم، ط2 «.. وتلقى تعليمه في جدة في نهاية المرحلة الثانوية، ثم حصل على دبلوم المراقبة الجوية من معهد الطيران المدني عام 1391هـ، حصل على ليسانس إدارة أعمال من جامعة ستانتون تاما بولاية فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية، حصل على دبلوم صحافة وإعلام من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة عام 1395هـ. عمل مشرفاً على مكتب معلومات الطيران بمطار جدة الدولي.. ورئيس تحرير مجلة الطيران...» ص 318. - وترجم له في (قاموس الأدب والأدباء في المملكة العربية السعودية) ط1، ج3 قال عنه الدكتور حسن النعمي: «.. قدس أحد جيل الثمانينيات الميلادية من كتاب القصة القصيرة إلى جانب اهتمامه بالكتابة الدرامية الإذاعية والتلفازية، وقد اختير من بين أدباء ومبدعي العالم للمشاركة في برنامج تجارب الكتاب المبدعين في جامعة أيوا بالولايات المتحدة عام 1995م، كما انتسب إلى عضوية عدد من المؤسسات منها عضوية نادي القصة بالقاهرة منذ عام 1985م. وعدد عشراً من مؤلفاته بالقصة والنقد والثقافة ومن خلال مؤلفاته المتعددة في مجالات الأدب والنقد والدراسات نلحظ نزوعه إلى التجديد، وانفتاحه على المشهد الثقافي، وإسهامه في بلورة التوجهات الثقافية الحديثة» ص1361 - 1362.