عُرف عادل الحوشان كاتبًا وشاعرًا وروائيًا، وبرز مبكرًا بوصفه مؤسسًا لمنصّة “طوى” الإلكترونية عام 2002، ثم دار “طوى للثقافة والنشر والإعلام” عام 2007، في زمن كانت فيه المنصّات الثقافية الجديدة تعيد تعريف العلاقة بين الكاتب والجمهور، وتكسر الحواجز الجغرافية، وتمنح الأصوات غير المهيمنة فرصة الظهور والحوار. لم ينشغل بتراكم المعلومات أو تسليعها، بقدر ما انحاز إلى نقد الثقافة من داخلها، مؤمنًا بأن تطورها يبدأ من مساءلتها، لا من تزيين واجهتها. امتدت تجربة الحوشان عبر مسارات متعددة؛ من العمل الصحفي في عدد من المجلات، إلى حضوره في البدايات الأولى لقنوات “أوربيت”، مرورًا بتجربة المنتديات الثقافية، وصولًا إلى مشروع النشر الذي مثّل ذروة هذا المسار وتكثيفه. وخلال سنواتها الأولى، نجحت “طوى” الإلكترونية في استقطاب آلاف المشاركين من خلفيات فكرية واجتماعية متباينة، وطرحت أسئلة شائكة، وفتحت مساحات للحوار الحرّ المنضبط بشروط النشر، قبل أن تُغلق في منتصف العقد الأول من الألفية، تاركة فراغًا، وأسئلة مؤجّلة، وتجربة لم يُكتب تاريخها الكامل بعد. من هذا المنعطف، انتقل الحوشان إلى النشر الورقي، مؤسسًا دار “طوى” بوصفها امتدادًا للرؤية ذاتها، لا قطيعة معها. ففي مرحلة كانت فيها دور النشر السعودية محدودة الحضور عربيًا، سعت الدار إلى بناء مشروع نشر مستقل، يقوم على معيار النص لا على اسم صاحبه، وعلى حرية الأدب في أن يُقدَّم بوصفه أدبًا، دون إخضاعه لمعايير أخلاقية أو سوقية خارجية. لذلك احتضنت أسماء جديدة، وتجارب أولى، ومشاريع ترجمة نوعية، وأسهمت في إعادة تقديم أعمال مفصلية في الثقافة العربية. ومع تعقّد الظروف وتراكم الصعوبات، خفت حضور الدار، وابتعد صاحبها بصمت، من دون ضجيج أو ادّعاء، تاركًا خلفه إرثًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة القرّاء والمثقفين، وفي تاريخ النشر السعودي الحديث. يأتي هذا الملف في شرفات، الذي أعده الزميل علي مكي، بوصفه محاولة لقراءة تجربة عادل الحوشان قراءة هادئة ومتأنية، عبر حوار مطوّل معه، وشهادات متعددة تقترب من مشروعه الإبداعي والثقافي من زوايا مختلفة. النشر والإعلام *بدأت طريق النشر الإلكتروني مبكراً، لماذا هذه التجربة، وماذا كنت تنتظر منها؟ ــ في وقت ما في الألفية الجديدة سيطرت الصحوة والإسلام الحركي والطاعون بالمعنى المجازي، والإرهاب على كل الساحات وفي كل المستويات. وتأخرنا في محاربة محاضنها إلكترونياً حين بدأت عبر أحد المواقع في العام 97 أو 98 وحينها لم تكن الإنترنت متوفرة بشكل يسمح لنا بالوقوف ضد هذه الحرب المستعرة من التجييش والتجنيد. الفضل يعود أولاً في فتح الباب لمواجهة هذا المدّ من التطرف، كان لأستاذنا عثمان العمير في منتدى إيلاف، وحين أعلن عن إيقاف الندوة، كان لابدّ من بديل، وأعلنّا عن طوى الإلكترونية، لكي ينتقل مرتادي إيلاف إلى هناك. ولأننا لا نزال في بدايات معركتنا مع التطرف إلكترونياً. هذا في العام 2002، وكنا نهدف إلى مواجهة الإرهاب والصحوة ومنتدياتها وخطابها. استطعنا خلال عامين وأكثر من فتح باب الحوار مع كافة الأطياف في المجتمع، كان هناك أخطاء وهذا أمر طبيعي لأن الندوة كانت مفتوحة للجميع ويكتب فيها آلاف الأشخاص من كافة الأطياف والانتماءات العرقية والدينية، ولم يؤثر عليها ذلك الوقت حجب مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، إذ كان من السهل إيصال روابط جديدة للراغبين في المشاركة أو التسجيل أو المتابعة. دعَونا فيها الجميع للمشاركة مثلما دعونا رموز الصحوة للحوار لكن كان معظمهم يرفض. أغلقت الندوة في نهاية 2004 وبداية 2005، وكنت أتمنى لو أن ذلك لم يحدث. *هناك عن طوى الإلكترونية ما يُروى، لماذا لم يحدث حتى الآن؟ ــ حساسية بعض القصص والمواقف والأشخاص تجعلني أتردد في الكتابة عنها، ولعل في الأيام وإن طالت ما يدفعني لكتابة كل ما حدث. *ما الذي جعلك تختار طريق النشر الورقي، وأي لحظة شعرت فيها أن هذا القدر سيلازمك؟ ــ منذ إغلاق طوى الإلكترونية كان لابدّ للمشروع أن يمتد وأن يحمل معه الرؤى التي آمنّا بها، وبذلك أعلنت طوى للثقافة والنشر 2007 . طوى هي قَدري الحلو، الذي حاولت فيه أن يكون هناك مشروعاً سعودياً منذ ولادته عام 2002 لمحاربة التطرف والإرهاب وفتح المجال أمام الجميع للتعبير عن رأيهم بحريّة ملتزمة بشروط النشر، وحتى 2007 لإطلاق مشروع ثقافي سعودي، وقتها لم يكن هناك دور نشر سعودية تقف في مصاف دور النشر العربية، وكتب لطوى ذلك، أما ملازمتها فلا هي أنا ولا أنا هي بالمطلق، كوّنا معاً فريقاً نجح في جوانب وأخفق في أخرى. *كيف توازن بين كونك كاتباً يملك هواجسه الخاصة، وناشراً يُفترض أن ينحاز لأصوات الآخرين؟ ــ أوقفت الناشر منذ 7 أعوام تقريباً، وأبعدته عن طريقي لأعود للكتابة، لكن الفترة التي أخذتها مني طوى كانت طويلة لاستعادة الكاتب. استمتعت في بعضها وندمت في بعضها وأفقدتني دربة الكتابة، أعمل الآن ببطء على عدة مشاريع متفرقة بين الكتابة والترجمة متى ما وجدت وقتاُ كافياً. *عملت فترات متقطعة في الصحافة والإعلام، ماذا عن هذه المرحلة؟ الصحافة ليست مهنتي، الكتابة قدري. عملت فيها لأسباب، أهمها تنفيذ بعض الأفكار، الصحافة لها حدود لا تريحني ككاتب، تابعتها وراقبتها وعملت فيها، وأعرفها عن قرب إلى درجة يمكنني شرح أدق تفاصيلها. دعني أقول رأياً شخصياً خلاف السائد حول الصحف المحلية وقياداتها في تجربتنا الصحفية اليومية، على الأقل ما عاصرته منها، لن يأت من الجيل الذي عاصرته مهنياً مثل هاشم عبده هاشم، ويأتي في الجيل الذي يليه وعمل معه وفي زمنه من رؤساء التحرير قينان الغامدي وأبو عبدالله مدينة له صحافتنا المحلية بأنه أخذها إلى أفق أوسع في حرية الرأي والكلمة ومسئوليتها وفتح أصعب الملفات المغلقة. في الجيل الحالي يقف جميل الذيابي وحيداً ويدخل معركة الصحافة اليومية ليبقيها حيةً رغم ظروف زوالها المحتومة. أما عن الإعلام المرئي فخبرتي فيه لا تتجاوز السنة، حاولت فيها أن أكون مخلصاً مع ما آمنت به وحققت ما أريد بمناقشة معظم قضايانا الحسّاسة حتى أصبح المناخ المهني في نفس المؤسسة غير صحي فغادرت. مواقع التواصل الاجتماعي *ما الذي تغيّر في علاقتك بالنصوص بعد سنوات من مرافقة كتب الآخرين؟ ــ بعض العبارات والشخصيات والأحداث التي كُتبت بروح خلّاقة تترك أثرها وتتذكرها في كلّ مرة تحتاج فيها أن تعيش طقساً أخاذاً في لغته او شخصياته أو أحداثه. *كيف ترى التحولات التي يعيشها المشهد الثقافي السعودي في السنوات الأخيرة؟ ــ على المستوى التنظيمي تغيّرت أشياء كثيرة، والمؤسسات المعنية بالثقافة تعرف ماذا تفعل، أما على المستوى الكتابي والإبداعي فلا أستطيع الحكم على ما يحدث. هذه مسئولية كبيرة لا أستطيعها. *هل ترى أن ازدهار المؤسسات الثقافية اليوم خفّف من عبء الناشر أم زاد مسؤوليته؟ ــ انقطاعي يجعلني بعيد عن الحكم على ما يحدث. *هل تعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي منحت الكاتب فرصة أم جرّدته من عمق التجربة؟ ــ أعتقد أنها سهّلت الكثير، لكن هل هذه السهولة نافعة أم ضارة، فأنا أخشى أن حكمي ينحاز للضرر أسأل نفسي هذا السؤال بشكل متكرر: لماذا معظم الكتاب الذين نتذكرهم ونقرأ لهم ونكررهم على مسامع الآخرين هم من جيل ولد قبل هذه الثورة في التكنولوجيا؟ مواقع التواصل الاجتماعي يمكنها أن تخلق هالة حول تجربة أو أسماء، وهذه سمة تسويقية لا علاقة لها بالجدارة والاستحقاق. النجوميّة والشّهرة *هل تؤمن بأن لكل كاتب قارئه الخاص، أم أن الناشر هو من يصنع قرّاء الكاتب؟ ــ الناشر لا يمكن أن يصنع قارئاً، يمكن أن يسوق كتاباً لعشرة قراء، وهذا حدّ لا يستطيع تجاوزه، في السابق كانت الصفحات الثقافية هي من تصنع القاريء والناقد والكاتب، لكنها مرحلة تلاشت إلى حدّ كبير. *ما المعيار الذي يجعلك ترفض نصاً رغم إعجابك به؟ ــ نادراً ما كان يحدث في طوى أيام كنت فيها، حالة واحدة يمكن أن تجعلني أرفض إذا شعرت بخطر فادح، خطر على الذائقة وعلى الكتابة وعلى الأدب والثقافة، إن كان ما كُتب أدنى من أن يُقرأ. *هل يمكن للنشر أن يكون فعلاً ثقافياً خالصاً بعيداً عن السوق؟ ــ هذا ما يفترض أن يحدث، إذا آمنا بأن صناعة النشر عملية متكاملة، وليست دورة نشر ناقصة ( وهي ناقصة في كل عالمنا العربي) تبحث عن طبعات وأدوات تسويق لمنتج تجاري، أو حتى معارض كتب وترجمات مختارة لا نعرف أين تذهب ولا يوجد لها أي مردود ولا نعرف أين قرأت وماذا أحدثت من أثر، ولأوضح المسألة أكثر فيما يتعلّق بالكتب المترجمة، نحن نقرأ خبراً عن ترجمة كتاب ما إلى لغة ما، لكننا لم نسمع عن تأثير أو حضور هذا الكتاب في اللغة المترجم لها، أي أننا نقرأ إعلاناً مجرداً من أي قيمة. الأرقام مضللة في الغالب ولا تعني شيئاً مهماً، ومثل ذلك الخبر الذي لا يعطي أي معنى عن الأثر ونتائجه. *كيف تتعامل مع إحباطات الكتّاب الشباب الذين يرون في النشر خلاصهم الأول؟ ــ الكتابة هي الخلاص وليس النشر، إذا كانوا سيتعاملون مع النشر على أساس النجومية والشهرة فأعانهم الله وسيجدون ألف وسيلة للتسويق، في رأيي ربما يُخبيء لهم المستقبل شيئاً أفضل من حظوظنا. مغامرة هائلة *في نصوصك ظلّ الحنين حاضراً كظلّ وفيّ، لا يفارق اللغة.. ما الذي يمنح الحنين هذه الشرعية الدائمة في كتابتك؟ ــ الإرث. ما تركته الأصوات القديمة والوجوه في حياتي من حكايات ومواقف وأفعال. هذه الحقيبة التي أحملها على كتفيّ في الترحال ووعورة الإرث، ولم أستطع الفكاك منها رغم رحيل معظم أبطالها، وربما كلهم. لم أستطع أن أتعايش مع قصص وهمية تدور حول الحياة حالياً، ما أعنيه بالضبط أن أكثر من مائة وخمسين عاماً عشتها مع أبطالي الحقيقيين بروايات متعددة علمتني معنى الحياة بكل قيمها وكأنها زرعت في قلبي. أنا من الأشخاص الذين يسوء الزمن لهم في كل مرّة يتقدمون فيها يوماً واحداً، بالرغم من أنني أعيش كل لحظة كما يجب أن تًعاش. أتفقدها بكل وجوهها، ولا يعنيني في الغالب ماذا سيحدث بعدها. لكن ما يجعلني أفعل ذلك أنني أعيد الزمن مرات كثيرة إذا أردت أن أتفقد جمال الأيام التي أعيشها، تفقدت جمال ما عشته ومن عشت معهم، هذا يجعل الأمر بالنسبة لي، ضد ما يمكن أن يحدث، ومع ما يمكن أن يحدث في نفس الوقت. *تتعامل مع المفردة كأنها كائن حيّ يتنفّس، ما معيارك لاختيار الكلمة التي “تليق بالمقام”؟ ــ لكل كلمه مرعاها الخاص، وعليّ أن أتفقّد عشب قلبها قبل كتابتها. علمتنا القرى والأرض أن نرعاها لتصبح أماً نجّابه حين نتخلص من نباتها المتطفل لينمو ما نحبه ونحتاج إليه. *هناك توازن نادر في نصوصك بين الصفاء والوجع.. هل تكتب لتخفّف الألم أم لتؤرّخ له؟ ــ لا يوجد أي كتابة يمكن أن تخفف الألم، الكتابة جحيم عظيم، ستشرب دمك وتأكل لحمك وتعطب دماغك، الخروج منها بالرضا هو ما سيقلل الأضرار عليك.، وهذا نادراً ما يحدث لمن يحترم هذا الجحيم وأوجاعه. كل ما يحدث هو تدوين هذا التاريخ، يحدث أن تنجح في ذلك، ويحدث أن تفشل. *في شعرك نبرة تأمل أكثر منها شكوى، هل ترى الكتابة نوعاً من الصلاة الداخلية؟ ــ في الكتابة لا يتوقف الأمر بوقوفك على الهاوية، لأن الأجمل من ذلك هو القفز منها إلى حتفك ومنتهاك، كل ما عليك هو أن تبحث عن أجنحتك، إذا أجدت ذلك فستفعل ما يجب عليك فعله ككاتب، أياً كان نصّك، إنها مغامرة هائلة، ما يحميها من العبث هو جوهر معرفتك وغِنا أوديتك الذي أتيت منها وتذهب إليها، وما تُنجبه الريح من ذريتها في الكلمات. *كيف تتعامل مع اللغة حين تشعر أنها خانتك أو لم تعد تسع المعنى؟ ــ إما أن أمحوها هي وسلالتها عن بكرة أبيهم، وأعيد ترتيب نسلها، أو أتوقف حين أنهزم أمامها وتنتصر، لنعيد معكرتنا من جديد. النصّ الباقي فكرة خالدة *في زمن تتسارع فيه الكتابة وتقلّ المسافة بين النشر والنسيان، كيف تحافظ على فكرة “النص الباقي”؟ ــ الكتابة بالنسبة لي لم تتسارع طوال التجربة، هي أبطأ ما حدث في حياتي، التفكير بها يأخذ وقتاً أطول من كتابتها. ما يذهب للنسيان كثير معي ومع غيري، لكن الأسباب تختلف. فكرة النص الباقي فكرة خالدة فعلياً، والمحظوظ من يستطيع إنجازها وأخشى ألا يحدث ذلك معي، وإن كنت أرجّح بأنه لن يحدث. *حين تكتب عن الأماكن، يبدو أنك تكتب عن الذات أيضاً.. ما الذي يربط جغرافيا الحنين بجغرافيا النفس؟ ــ الجغرافيا أكثر ثباتاً وصدقاً من التاريخ الذي تتعدد رواياته وكتّابه وتفسيراته، يسيئون إليه ويضيفون، ويكذبون عليه ويصدقون كذب الآخرين، التاريخ مهنته الأساسية التزوير، وأبوابه واسعة، اما الجغرافيا فلها باب واحد، بالتأكيد ليس على الإطلاق، لكنه عرضة لذلك، لذا شخصياً آمنت بأن للجغرافيا وجهُ يُمكن الجلوس معه ليروي لك الحكايات كلها دون أن يتعرّض للتشويه، هي الأمان الوحيد الذي يمكن أن تلجأ إليه. *في بعض نصوصك ميل إلى السرد داخل القصيدة، هل تشعر أن الأنواع الأدبية بدأت تتصالح أكثر مما تتنافر؟ ــ لكل كتابة حالتها الخاصة، مثل ذلك لكل كاتب، برأيي أن الأجناس متداخلة بشكل أو بآخر، الصحيح أن لكل جنس شروطه وقواعده. لست مع أو ضد كسر هذه الشروط، قد تتأثر التجربة لتكوّن حالتها المتفرّدة، لا يوجد في أي حالة إبداعية في معظم الفنون تشابه بينها وبين حالة أخرى، التأثير وارد، ويصبح واضحاً جداً للعاملين في نفس الحقل. للغة فلسفتها الخاصة، فهي ليست معرفة خالصة، بقدر ماهي حالة تتراكم حتى تنضج. في السّرد أجد الشاعر يجلس بجانبي، وفي الشعر يجلس السارد مكانه، أميل في كتابة قصيدة النثر إلى الأماكن والأشخاص وكل واحد منهما يمثّل أهميته ومهمته في كتابة الرواية، لذا تجد داخل القصيدة حدثاُ أو أمكنة أو أشخاصاً، في أي كتابة، مهما كانت، سيجلس شخص ما أمامي لأكتب له حتى أنتهي، ثم يذهب لتذهب هي له و لغيره. *هل تؤمن أن الكاتب يكتب نصاً واحداً طيلة حياته، لكنه يتنكر في أكثر من شكل؟ ــ ربما يكتب لغة واحدة لا يمكن أن تتنكر أو يتنكّر لها أوعنها، لكن التجربة ستتعدد أشكالها وصيغها، الكاتب في حالاته كلها سيكون هو ووجوده وعوالمه حالة خاصة، عليه أن يخلص لها، ومن أوجه إخلاصة الأكثر عمقاً أن لا يتشابه في رحلته معها. *كيف ترى علاقتك بالجيل الجديد من الكتّاب؟ هل تشعر أنهم امتداد لتجربتكم أم قطيعة ضرورية؟ ــ لا هذه ولا تلك، عليه ألا يمتد ولا ينقطع عنها، أما علاقتي فهي تقصير مني في قلة المتابعة، قد يخرج من رحم كل التجارب السابقة من يكتب أفضل وأجمل وأعمق مما كتب، وهذا سيحدث حتماً، لكن المعيار الفني والنقدي والمعرفي والجمالي محكّ صعب في تقييم كل تجربة وكل مرحلة في ظل طغيان وسائل التسويق وكثرتها، وظهور أجيال جديدة في كل مرة لا ندرك حدود معرفتها ولا تجربتها. *في مشاركاتك الثقافية يظهر حسّك النقدي العميق.. هل النقد بالنسبة لك موقف من الحياة أم من الجمال؟ ــ في رؤيتهما معاً، أو هذا ما أتمناه، أصعب ما يمكن أن يحدث أن تعبّر عن مواقفك كإنسان حرّ دون أن تتعثّر بما يمكن أن تتحدّث عنه أو تخجل منه أو تخافه. *ما الدور الذي لعبته الصداقة في حياتك الأدبية؟ هل هناك نصّ وُلد من حوار أو من خسارة صديق؟ ــ الكتابة عن الخسارات أو الخذلان واردة، قد يتقاطع نص مع أحدها أو عنها، ويبقى عالقاً حدّ الندم. الكتاب السّريّ الحسّاس الممنوع *ما الذي تخشاه أكثر: أن يساء فهم نصك أم أن ينسى؟ ــ أن يُنسى، ومحظوظ من سيتذكرون له ولو نصاً واحداً على الأقل. *في زمن الثرثرة الرقمية، هل تجد للشاعر مكاناً حقيقياً في المشهد العام؟ ــ تضاءل لكنه يوجد في حيّز أقل من مكانه. *يصفك بعضهم بأنك شاعر (هادئ) لكن في نصوصك عاصفة داخلية.. كيف تفسّر هذا التناقض الجميل؟ ــ لا أستطيع أن أحاكم أو أفسّر الأمر، هذا الوصف لا بدّ أنه من صديق ومحبّ يقرأ في كتابة عادل ما يحبه. *هل تغيّر إيمانك بالكتابة مع مرور الوقت؟ ــ إيماني لم يتغيّر فيها، مزاجي هو الذي تغيّر، لم أعد أجلس لأكتب ما أريد، اشتغلت طواحين أكثر في الحياة المعاصرة، وظروف حياتية ربما كانت أقسى من السابق. *لو عدت إلى بداياتك، ما السؤال الذي تتمنّى لو سألْته نفسك قبل أن تبدأ الطريق؟ ــ كنت سأشير على الباب الذي دخلت معه، لأسأل هل أنت متأكد من ذلك ؟ لكنه قد فات وقت الإجابة الآن. *وأنت تتأمل كل ما كتبت، هل تشعر أنك قلت ما أردت، أم أن أجمل نصوصك ما زالت تنتظرك؟ ــ كتبت الكثير مما أحبه وأرتاح له، لكنني أشعر، وربما هذا هو حال الجميع، أن هناك الكثير مما عليّ كتابته، لا يوجد نصّ نهائي في الأمر، حتى وإن تم تكرار سؤال الرواية الواحدة. لو أن لديّ ما سأقوله في الرواية حتماً سأقوله، هناك أشياء كثيرة يمكن أن تكتب لكن وقتها لم يحن بعد أو أنه فات، أنا لا أعلم. حين أعيد السؤال مرة أخرى على نفسي أجد أن الرواية الأهم لم تكتب بعد، حاولت إنجازها في الوقت الذي يفترض أن تنجز فيه، لكنني عجزت عن ذلك، لأنني أعرف نهايتها، وعشت نهايتها قبل أن أنجز معظمها، ولذلك بقيت في دفاترها وأنا متعبُ مما حدث فيها. *في روايتك «مساء يصعد الدرج» (2010)، كتبتَ عن العزلة والحلم والبحث عن المعنى، هل كانت الرواية نبوءة مبكرة لما سيتغيّر اجتماعياً بعدها بما يقارب 10 أعوام؟ ــ الرواية كُتب عنها ما يكفي في وقتها، وأنا راضِ عنها تمام الرضا، ولا يزال يصلني عنها بعض التعليقات والأسئلة. ما أعرفه عنها أن شخوصها لا يزالون أحياء وكبروا في السنّ، ويعيشون تغيراً مذهلا مثل الآخرين، وكما كانوا يحلمون. *وماذا عن الكتاب السريّ الذي نّشر حسب ما يُشاع باسم مستعار؟ ــ هو الاخر كُتب في وقته، ولأنه يتناول موضوعاً حساساً وممنوعاً في وقته، فضّلت أن يصبح كذلك، وحتى أقرب الناس لا يعرف عنه شيئاً. *هل تؤمن بأن الكتابة ما تزال قادرة على إحداث أثر في عالم سريع الزوال؟ ــ لا للأسف، يمكن ان تحدث أثراً في لحظة راهنة، لكنك سرعان ما تعود لاجترار لحظات معتادة. *ما الكتاب الذي غيّر نظرتك إلى الأدب أو ترك فيك علامة لا تُمحى؟ ــ محمود درويش كله، وستيفن فيزيتشي وسيوران وجون فيلرتون في منزل القردة، والماغوط وبولغاكوف في مورفين، وزوسكيند في العطر و سراماغو في العمى ..كثير. *كيف تصف علاقتك بالقرّاء؟ هل تراهم شركاء أم متفرجين؟ ــ أخشى عليّ منهم في الغالب، القاريء الذكي والعارف يخيفني رغم ما يمكن ان ينشأ بيننا من محبة أو اختلاف. أكره الكاتب الحاسد والحاقد الذي ينتظر أن ينقض على كتابتك لينتقم من حضورها، لأنه جبان في الكتابة. القارئ النادر موجود *إذا عدت اليوم إلى كتابة رواية جديدة، هل ستكون مختلفة عن «مساء يصعد الدرج»؟ ــ لن يكون هناك مساء يصعد الدرج مرة أخرى، هناك كتابة غير منتمية، ولا تُصنًف ولا أعرف إلى أين تذهب، كانت ما يشبه الرواية، لكن قراراً شخصياً جعلها تأخذ منحى آخر تماماً. *ما الحلم الذي لم يتحقق بعد: كتاب مثالي، أم كاتب استثنائي، أم قارئ نادر؟ وهل سننتبه لو أن هناك كاتباً استثنائياً؟ أم أننا سرعان ما سنزيّف الأمر وننتبه لما هو أقل وأدنى منه ؟ - كان بيننا كاتباً استثنائياً، وأنا هنا أضرب مثلاً لا أكثر، هل يتذكّر أي منّا عبدالله المحيميد في كتابيه “تقشير” و “ عين سوسيو ثقافية” ؟ أو أبو بكر باقادر في معظم مؤلفاته في علم الاجتماع وترجماته؟ هل نحن منتبهون الآن لاستثنائية ما يكتبه أحد الأصدقاء، لا أريد أن أذكره هنا لأنه ربما يكتب أحد الشهادات؟ استثنائيته ليس على المستوى المحلي بل العربي والعالمي؟ أو منتبهون لعبدالله الناصر وزعفرانه وكتابه الأسطوريّ قهوة نامه، أو صداقته الأليمة مع فيرناندو بيسوا؟ الأحلام تتحقّق لكننا لم ننتبه، وربما لن ننتبه وسيفوت الأوان كثيرا كما فات سابقاً، القارئ النادر موجود لكنه لن يُظهر نفسه، وفي كثير من النداوت التي حضرت بعضها، أجد من المعلقين ثقافة ربما تتفوّق على المحاضر، الكتاب المثالي موجود، لكننا لن ننتبه، والكاتب الاستثنائي مرّ من هنا ولا يزال يمرّ. *وأخيراً ؟ أخشى أنه لا يوجد شيء يمكن تغييره.