اختتم المشهد الثقافي المحلي عام 2025 محمّلًا بالفعاليات والمهرجانات والبرامج المتسارعة، وسط تباين واضح في تقييم المثقفين لما تحقق خلال العام. ووفقًا للكتاب والفنانين الذين استطلع الملحق آراءهم، اتسم العام الماضي بالكثافة في الحضور والأنشطة، لكنه شهد تراجعًا في الأثر الفعلي للثقافة، مع سيطرة مظاهر التسويق والترويج على الفعل الثقافي. وانتشرت نقاشات حول قضايا النشر والتوزيع، والهوية الثقافية، ودور الذكاء الاصطناعي، وحدود الاستهلاك الثقافي. ومع دخول 2026، يشدد المشاركون على أهمية إعادة التركيز على الثقافة الجادة، وحماية الكتاب والنشر الورقي والرقمي، وتعزيز النقد والمعيار الثقافي، بما يضمن استدامة أثر الثقافة على الوعي العام وليس مجرد حضور مؤقت على الساحة. تغلب ثقافة المقاهي عن ثقافة الأندية. واستدعت الذاكرة الثقافية للقاص عبدالعزيز الصقعبي معرض القاهرة الدولي للكتاب 2025 “ كنت أنا وغيري ممن حرصوا على زيارة أجنحة الهيئة العامة للكتاب، وقصور الثقافة بمصر لما يتوفر لديهم من إصدارات متميزة، فكنت أمني النفس حينها أن نجد مثل ذلك في معرض الرياض الدولي للكتاب، إصدارات ليست عن طريق دور النشر المحلية والعربية، ولكن عن طريق وزارة الثقافة وتحديدًا هيئة الأدب والنشر والترجمة، وجمعيتي الأدب والنشر، نحتاج لإصدارات تطبع طبعات شعبية بسيطة تتاح للجميع بأسعار معقولة وتوزع بصورة جيدة، من ضمنها كتب الرواد وكتب الأجيال الجديدة، بعد مراجعتها وتقييمها ونشر ما خو الجيد منها”. وزاد “ الذاكرة الثقافية تختزن الكثير من القراءات والكتابات، والأفلام والمسلسلات الجيدة، والعروض المسرحية، واختتمنا هذا العام بمهرجان الرياض للمسرح بدورته الثالثة، حيث شهد عروض متفاوتة أغلبها متميز، هذا بعض ما في الذاكرة الثقافية” متمنيًا أن يكون عام 2026 عام نشر وتوزيع، والبحث عن طرق نشر جيدة، وتوزيع الإصدارات عبر منافذ عدة على كافة أرجاء الوطن. وقال”: لا أريد الاكتفاء بالنشر الرقمي، بل جعله موازيًا ومساندًا للنشر الورقي، أتمنى أن يعود الاهتمام بالدوريات الأدبية، مثل دوريات نادي جدة الثقافي المتميزة: علامات، وحقول، والراوي، وجذور، وكشكول، مع توزيعها بصورة جيدة، أتمنى أن يكون الفعل الثقافي حاضرًا والإبداع السعودي ينال حظوة القراءة والجوائز على مستوى الوطن العربي والعالم”. وأكد الصقعبي على دور الكتاب في تشكيل الوعي، وإضافة المعرفة والثقافة “ وكوني متقاعدًا، وأمتلك كثير من الوقت للقراءة والكتابة، فهنالك كتب كثيرة قرأتها واستمتعت بقراءتها، وبقيت أحداثها ومعلوماتها في الذاكرة لوقت طويل، وهي كثيرة ومن الصعوبة اختيار أحدها أو بعض منها، بالمقابل هنالك كتب مرت مرور الكرام، بل بعضها لم أكمله للرداءة بالمضمون أو الأسلوب أو اللغة”. ووجد الصقعبي في تحويل الأندية الأدبية إلى جمعيات، ونقل الفعاليات الثقافية إلى المقاهي الحدث الثقافي الحدث الأكثر تأثيرًا “هنالك أحداث ثقافية عدة شهدها المشهد الثقافي والأدبي السعودي خلال العام الماضي، بمعنى أن مرحلة سابقة دامت أكثر من خمسين عامًا انتهت، وبدأت مرحلة جديدة، لن تتضح معالمها الآن، بل بعد سنوات عدة، ولن يُقيّم هذا الصخب الثقافي الآن، بل بعد زمن”. وذكر أن الخطوة التي نحتاجها ثقافيًا في العام الجديد 2026 تتمثل في الاهتمام بالنشر الورقي والرقمي، وإصدار مجلة أدبية تتابع الفعاليات الثقافية المختلفة، مع التنسيق بين المؤسسات الثقافية والجمعيات حتى لا يكون تضارب أو ازدواجية بين الفعاليات الثقافية”. صلاح القرشي: طغيان وسائل التواصل على الكتاب. من جهته قال القاص صلاح القرشي:” الحق أن هدير الحروب في أكثر من مكان على هذه الأرض طغى على أي حضور للثقافة، فيالها من سنة دامية، وعسى أن يعم السلام أولًا في العام الجديد، لتحفل ذاكرتنا بالكثير من الأدب والفن والجمال، وأجد أن مهرجان البحر الأحمر السينمائي رسخ حضوره في الذاكرة الثقافية”. وإن كان من كتاب أعاد تشكيله، أفاد “قرأت عددًا لا بأس به من الكتب، أغلبه يصنف في خانة الأدب من رواية وقصة وشعر، ولعل ثلاثية الروائي سعود السنعوسي اسفار مدينة الطين هي من أفضل ما قرأته في هذا العام المنصرم” متمنيًا أن يحظى معرض جدة للكتاب في الأعوام القادم بمشاركة أكثر لدور النشر وأن يبقى للكتاب أولوية، ولا تطغى عليه مظاهر “السوشل ميديا” ومشاهيرها. وأضاف” في ظل تجاوز الذكاء الاصطناعي الحدود، وما وصل إليه حجم ونوع تأثيره على جميع الفنون، فما يحدث في هذا المجال مخيف، ويذكرني بفيلم الحديقة الجوراسية عندما تمردت الديناصورات على الإنسان، فالمسألة بشكل عام لها علاقة بالتقدم العلمي والضوابط الأخلاقية والى أي مدى سيصل العلم في هذا المجال. سهام القحطاني : عولمة الثقافة السعودية. أما عام ٢٠٢٥ بالنسبة للكاتبة سهام القحطاني فمضى من دون أن يترك خلفه – على مستوى الأدب وفنونه- سوى قليل من المتعة، وكثير من التكرار “وكأننا نعيش زمن ليس للإبداع الأدبي مكان يستظل فيه، فالميدان الثقافي وأخص الأدب وقضاياه يمر بمرحلة ركود؛ وهذا ما يفسر غياب القضايا الأدبية الجدلية مثل ما كان من صراع أدبي بين الحداثة والتقليدية”. وأرجعت القحطاني أسباب غياب الأدب وقضاياه إلى تغير ميول الجمهور الثقافية من الأدب إلى الفنون المهارية، مؤملة عودة الثقافة مع العام الجديد ٢٠٢٦ لمجالها الأدبي إلى دائرة الضوء بشغف جديد. وحول إن كان من كتاب شكّل من وعيها أفادت “ لعل أمتع ما قرأته كتاب عنوانه سوف تراه عندما تؤمن به، للكاتب وين دبليو-داير- حيث يقدم تجربة إنسانية لفلسفة الذات مقتبسة من الفكر الغنوصي، وأظن أن الفائدة التي يخرج بها القاري بأننا نعيش داخل ذات نجهل نصفها”. وبينت “كثيرة هي الأحداث الثقافية الملفتة في عام 2025 ولعلي أركز الضوء على حدثين؛ لأنهما يحققان التحول الثقافي في المملكة، الأول مزاد أوريجينز الذي يمثل شراكة عالمية بين الفن السعودي والفن العالمي، كما أن هذا الحدث يعزز السياحة الثقافية للبلد. وتابعت “أما الحدث الثقافي الثاني فهو بوليسيثون تحدي الابتكار الثقافي الذي اطلقته وزارة الثقافة، وما يميز هذه الخطوة تحرر الثقافة من النخبوية و فتح المجال للمشاركة المجتمعية في دعم القطاع الثقافي من خلال تصميم سياسات ثقافية مبتكرة تضمن للثقافة الجانب التنموي المستدام.وتابعت “أما الحدث الثقافي الثاني فهو بوليسيثون تحدي الابتكار الثقافي الذي أطلقته وزارة الثقافة، وما يميز هذه الخطوة تحرر الثقافة من النخبوية وفتح المجال للمشاركة المجتمعية في دعم القطاع الثقافي من خلال تصميم سياسات ثقافية مبتكرة تضمن للثقافة الجانب التنموي المستدام. وترى أن المملكة العربية السعودية تعيش حركة ثقافية حيوية بالمفهوم الثقافي التكاملي، “فلم يعد مفهوم الثقافة يعني الأدب، بل الثقافة في شمولها ؛الجمالي و الفني و المهاري و التراثي، التي تخلق المجتمع الحيوي المزدهر وفق رؤية 2030”.وأكدت أن المملكة العربية السعودية تعيش حركة ثقافية حيوية بالمفهوم الثقافي التكاملي، “فلم يعد مفهوم الثقافة يعني الأدب، بل الثقافة في شمولها؛ الجمالي والفني والمهاري والتراثي، التي تخلق المجتمع الحيوي المزدهر وفق رؤية 2030”. وقالت :”تحول المجتمع السعودي إلى مجتمع سياحي زاخر بتراث تاريخي عريق، والدعم الحكومي الذي يحظى به هذا التحول، كان حاصله مفهومًا جديدًا للثقافة، يعتمد على تأصيل الهوية الثقافية في أشكالها المختلفة، وإشراك العالم في اكتشاف التاريخ الثقافي للمملكة، ونشر الهوية الوطنية الثقافية المحلية عالمًيا، فالثقافة” مشددة على أن الثقافة “هي قوتنا الناعمة وازدهار مجالاتها وتنوعها هو مؤشر على انفتاح المجتمع والتنافسية العالمية وترسيخ أصالة الثقافة السعودية.”. سالم الصقور: الذاكرة الثقافية فقيرة من حيث الأثر يرى الروائي سالم الصقور أن عام 2025 “لم يترك أثرًا ثقافيًا لافتًا، بقدر ما كرّس محاولة تحويل الثقافة إلى سلعة قابلة للتسويق، منفصلة عن قيمتها الفكرية ودورها النقدي، فكان الحضور للشكل والضجيج أكبر من حضور المعنى، وللانتشار أسرع من التفكير، وهو ما جعل الذاكرة الثقافية لهذا العام فقيرة من حيث الأثر، وغنية فقط من حيث العرض” مؤملًا أن يكون عام 2026عامًا يعيد للثقافة معناها، بوصفها فعل تفكير لا منتجًا للاستهلاك، ويمنح الأولوية للعمق والنقاش الجاد على حساب الضجيج والترويج. وعن الكتاب التي أثرت فيه خلال العام الماضي أفاد” من الكتب التي أثّرت فيّ هذا العام كتاب “عبق الزمن” لبيونغ-تشول هان، وهو تأمل فلسفي في علاقتنا بالزمن في عصر السرعة والتشتت، يناقش كيف فقد الإنسان إحساسه بالمدة والمعنى، وتحول الزمن إلى وحدات استهلاك، ويقترح استعادة العمق الزمني بوصفه شرطًا للحياة الفكرية والإنسانية المتوازنة” مبينًا أن من الأحداث اللافتة عام 2025 صدور ديوان الشاعر محمد زايد الألمعي “أنتم ووحدي” لما يحمله من حساسية شعرية عالية وتجربة لغوية صادقة. وشدد الصقور على ضرورة الحاجة إلى حماية الثقافة الجادّة من التهميش المقصود، وإعادة الاعتبار لها كونها ضرورة فكرية لا ترفًا، عبر دعمها المؤسسي الحقيقي لا الاكتفاء بتسويقها شكليً، مؤنّبًا المثقفين وانشغالهم بسؤال الاستهلاك الثقافي، خاصة مع الجدل حول رواج روايات أسامة المسلم، وما طرحه عبد الله الغذامي حول ثقافة التفاهة، بوصفها مؤشرات على تحوّل الذائقة من القيمة الفكرية إلى منطق السوق والانتشار، وما يرافق ذلك من تراجع دور النقد والمعيار الثقافي الجاد. سلطان النوه: عام استثنائي، والمسرح يتصدر المشهد بدوره وصف المخرج المسرحي سلطان النوه مرحلة التي تزامنت مع عام 2025 بالذهبية “ قياسًا بما شهدته من برامج وملتقيات ثقافية أسهمت في نهوض ملموس بالحالة الثقافية السعودية في شموليتها، والمثقف السعودي يعيش حالة من الانتعاش الحقيقي انعكست على الحراك الثقافي العام” داعيًا إلى المحافظة على المكتسبات التي تحققت خلال عام 2025، إضافة إلى وجوب تنويع الفعاليات الثقافية وتجنب التكرار، إلى جانب ضخ أسماء جديدة وتمكين المواهب بشكل مدروس ومستهدف. وأوضح النوه أن ميوله القرائية تميل إلى الكتب المتخصصة في المسرح، بحكم انتمائه لهذا الفن، معربًا عن تطلعه إلى إنشاء مكتبة متخصصة في المحتوى المسرحي، تسهّل الوصول إلى هذا النوع من الكتب، لما لها من أهمية كبيرة للباحثين وطلبة الدراسات العليا. وأشار إلى أن عام 2025 شهد أحداثًا ثقافية عديدة كان لها أثر بالغ، لافتًا إلى أن مهرجان الرياض للمسرح شكّل الحدث الأبرز بالنسبة له، كونه يستقطب عروضًا مسرحية من مختلف مناطق المملكة، ويعزز حضور الفعل المسرحي بوصفه نشاطًا ثقافيًا مهمًا يحظى بالدعم، ويسهم في تطوير الحركة المسرحية عبر الورش والندوات المتخصصة، إضافة إلى استقطاب أسماء مسرحية ذات ثقل على المستوى الخليجي. وعن الخطوة التي يطمح إليها ثقافيًا في العام الجديد، أكد النوه أن الثقافة مفهوم واسع ومتعدد المجالات، معربًا عن رغبته في خوض تجارب جديدة خارج إطار المسرح، وفي مقدمتها السينما، بوصفها فنًا وثقافةً قادرة على نقل الموروث والهوية الوطنية، إلى جانب اهتمامه بمحاولات في مجالات أخرى مثل كتابة القصة أو الشعر. وحول القضايا الفكرية التي شغلت المثقفين خلال العام، رأى النوه أن اهتمامات المثقفين تختلف باختلاف مجالاتهم، مؤكدًا أنه من الصعب اجتماع الجميع على همّ فكري واحد، نظرًا لاتساع مفهوم الثقافة وتعدد مساراتها، حيث ينشغل كل مثقف بالشأن المرتبط بتخصصه. فهد خليف : عام ثقافي أكثر هدوءًا وقال الفنان التشكيلي فهد خليف ان عام 2025 ترك أثرًا واضحًا في الذاكرة الثقافية “ليس كزمن عابر، بل كمرحلة كشفت عن تسارع كبير في الصورة، مقابل تراجع التأمل، وأصبح الإنتاج البصري كثيفًا وسريعًا، بينما تراجع سؤال المعنى لصالح الشكل. ويتطلع التشكيلي أن يكون العام الجديد 2026 عاما ثقافيًا أكثر هدوءًا وعمقا “يستعيد فيه الفن والفكر مساحتهما بعيدًا عن الاستهلاك السريع، ليصبح عامًا ننتقل فيه من كثافة الصورة إلى كثافة المعنى، ومن ردة الفعل إلى التأمل، ومن الثبات للحركة، كي يعود فيه الفن ليلعب دورًا محوريًا في صناعة وعي نقدي، ومساحة إنسانية قادرة على تأصيل أثر يبقى في الذاكرة لا في اللحظة فقط، ثقافة تقاس بما تتركه في الوعي لا بما تستهلكه في الزمن” وذكر أن من الكتب التي أسهمت بعمق في تشكيل وعيه الجمالي عام 2025 كتاب لغز الفن قراءة اختبارية في التشكيل العربي، للمؤلف السوري الفنان طلال معلا “هذا الكتاب لا يتعامل مع الفن بوصفه منتجًا بصريًا جاهزًا للفهم، بل يقدمه على هيئة لغز فكري وجمالي مفتوح على التأويل، ويطرح المؤلف قراءة اختبارية للتشكيل العربي قراءة لا تبحث عن معنى نهائي ولا تصدر أحكامًا معيارية، بل تقترب من العمل الفني من داخله عبر اللون والشكل والمادة والإيقاع”. وعد خليف جائزة شخصية العام التي تمنحها وزارة الثقافة حدثًا ثقافيًا مهمًا كبير الأثر “ وأجدها تتجاوز كونها مجرد تكريم شخصي إلى أن تكون مرآة حقيقية للحراك الثقافي الوطني، فالجائزة لا تحتفي بالمنجز الفردي فحسب، بل تعبر عن تقدير للدور الثقافي بوصفه فعلًا تراكمًيا يسهم في تشكيل الوعي العام وصناعة الأثر الثقافي المستدام وإحدى أهداف رؤية 2030”. وبدا لخليف أن العلاقة بين الفن والتقنية خصوصًا استحوذت على اهتمام واسع خلال عام 2025، في ظل تصاعد حضور الذكاء الاصطناعي، نتاج ما تطرحه من تساؤلات حول الإبداع والأصالة والبعد الإنساني، ومحاولة اعادة تعريف مفهوم الهوية في العمل الثقافي، مما قد يعكس على هذا الحراك انشغالًا متزايدً بإعادة تعريف وظيفة الثقافة والفكر في مواجهة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وسط نقاشات فكرية واسعة، وبروز قضايا الهوية والتحول الثقافي بوصفها من أكثر الملفات حضوراً إلى جانب إعادة طرح دور المثقف وحدود تأثيره في مشهد تحكمه السرعة ومنطق الاستهلاك.