الكاتب الساخر الذي استمر يطل على جمهور كبير من القراء عبر الصفحة الأخيرة من صحيفة الشرق الأوسط من مهاجره في لندن مدة طويلة، صدر هذا الكتاب باللغة الإنجليزية في ثمانينيات القرن العشرين، وترجمه الدكتور كمال اليازجي، ذكر المؤلف سببين لتأليفه هذا الكتاب بالإنجليزية، أولهما شعوره بعظيم ثروة الآدب العربي في مجال الفكاهة والظرف، وهو مجال يعد الأوروبيون ثراءه دليلا على التحضر، ومنهم من يرى أن العرب يفتقرون إلى هذا النوع من الأدب، وبعضهم علل ذلك بسبب دونية مكانة المرأة عند العرب. الأوروبيون يرون أنهم متفردون في المسرح الكوميدي والأدب الفكاهي، والسبب الثاني أن الكتابة بالانجليزية لا تزعج الرقيب. صِدر الكاتب كل فصل من فصول الكتاب برسوم كاريكاتيرية من العصر الذي يتحدث عنه الباب، وللوهلة الأولى يشعر القارئ، أن هذه المنشورات لا تزال تحتفظ بحيويتها حتى اليوم. في الباب الأول تحدث الكاتب عن فلسفة الضحك، وصدره بكلام للأديب أحمد أمين تساءل فيه عن سبب تخصيص الإنسان بالضحك دونا عن باقي المخلوقات، وأجاب أنه ليس بين أجناس الحيوانات من يعاني من صنوف المشقات ما يعانيه الإنسان. الهزل السياسي ظاهرة جاءت متأخرة في حياة الإنسان، وهو نوع راقٍ من المزاح. وقد ظهرت بعدما انتقل الإنسان من حياة البداوة إلى حياة المدينة التي تحفل بالتناقض، بحيث تبدو الأشياء خارج مكانها، وغريبة عليه مما يثير الضحك. وعادة ما يأتي الضحك عندما يفاجأ الإنسان بالمفارقات الكثيرة في المحيط الذي حوله. يظهر الضحك في بعض الأحيان وكأنه دفاع عن النفس أمام خصم لا يقوى الإنسان على مواجهته في عالم الجد. النكتة لا تقود صاحبها للتمرد وإنما تقوده للتحمل ، وكلما كان النظام قويا كلما كثر التنكيت حوله، والنكتة الناجحة هي التي تفترض أن سامعها يعرف موضوعها مسبقا، وإلا فإنها لا تدفعه للضحك، من أظهر فنون السخرية عند العرب ما كان يحويه شعر الهجاء من تهكم، ولشدة وقع ذلك نرى أن المتنبي فقد حياته بسبب قصيدته التي هجا فيها ضبة العتبي حيث عيره بأمه، وكانت قصائده التي هجا فيها كافور الإخشيدي مفعمة بالسخرية والتهكم، الحطيئة كان بارعا في الهجاء حيث التهكم بمن يهجو، ولذا اشترى منه عمر رضي الله عنه أعراض المسلمين بالمال ليداوي به فقره، ولما ضاق عليه مجال الهجاء تحول عن المسلمين ليهجو أمه وأباه ثم هجا نفسه، إذ طالع صورة وجهه على سطح الماء فقال: “ أرى لي وجها قبح الله خلقه … فقُبح من وجه وقُبح حامله”. يرى الكاتب أن رسول الله محمد صلي الله عليه وسلم ربما كان الوحيد من الأنبياء الذي رويت عنه بعض النوادر، وكان يستمتع بها “ ولا يقول إلا حقا”، وكان أصحابه يعرفون عنه ذلك، فهذا نعيمان الأنصاري اشترى من بدوي عسلا على أن يعطيه ثمنها عند التسليم، وصل العسل لرسول الله، فسره ووزع منه على أصحابه، وهنا جاءه البدوي يطلب الثمن، علق رسول الله: هذه إحدى هبات نعيمان، ثم سأله لم فعل ذلك فقال: إنما أردت برك يا رسول الله ولم يكن معي شيء. وقد روي أن رسول الله قد قال: يدخل عثمان بن عفان الجنة وهو يضحك، فإنه كان يضحكني، فقد حدث أن رأى رسول الله عثمان يأكل التمر وفي عينه رمد، فقال رسول الله: أتأكل التمر وأنت أرمد، فأجابه: إنما آكله من الجانب الآخر، يقول الكاتب إن عثمان رضى الله عنه تميز بالظرف، وقد استلحق أشعب في حاشيته الخاصة، وأشعب كان مهرجا محترفا. ازدهر التأليف في فنون الدعابة والفكاهة في العصر العباسي، إذ مع وصول العباسيين للحكم، تبخرت كثير من الأحلام التى علقها الناس عليهم، ثم إن الخليفة المنصور كان رجلا عظيما مشغولا ببناء بغداد حريصا على توفير الأموال ولذا لم يكن كريما مع الشعراء والفنانين، وقد غُمز بالبخل ولم تخف السخرية به التي ظهرت في “كليلة ودمنهور “ وفي كتاب “ البخلاء”. ثم أُلف الكثير من الكتب التي تخصصت في النقد الاجتماعي القائم على الظرف، تجدها في “ العقد الفريد” ثم وضع ابن الجوزي كتاب “أخبار الظرفاء والمتحامقين” وكتاب “ أخبار الحمقى والمغفلين” وألف النيسابوري كتابا بعنوان شبه فلسفى “عقلاء المجانين “ ثم ظهر كتاب الأبشيهي الممتع “المستَطرَف من كل فنٍٍ مستَظرَف”، ودارت أخبار كثيرة حول أساطين الظرف مثل أشعب الطماع، ونعمان المهرج، وأبو دلامة، وانتقلت أخبارهم إلى كثير من اللغات الأوروبية. ولاحظ المؤلف أنه رغم ضخامة تراث العرب في الظرف، وكثرة ما دار حوله من تعليقات إلا أن أحدا من مفكري العرب القدماء لم يقدم على دراسته بصورة وافية لكنه يقول: “من الفضول الذي يبعث الملل تعداد الكتب التى وضعها أطباء العرب والمسلمين في هذا الموضوع “، أحاله أطباء العرب إلى جذور فسيولوجية، وعالجها بعضهم من زاوية نفسية متفائلة، معتبرين أن الضحك دليل فرح وعامل تصحيح، فإنه إذا استلفت نظر أحدهم شيء غير مألوف يأخذ دمه في الغليان، فإذا أُُشكل عليه سبب دهشته انفجر بالضحك، وابن عمران الذي ألف كتابا بعنوان “الكآبة” اعتبر الضحك لونا من ألوان الحماقة ولكنه عرفه في مكان آخر بأنه اندهاش الروح عند رؤية شيء يتعذر عليه إدراكه بوضوح. يرجح المؤلف أن الظُرف السياسي كان شائعا وغزيرا ولكنه لم يدون هربا من تبعته، فإن الخلافة الإسلامية التي اتسعت أرجاؤها سرعان ما انتهت سلطة الخليفة إلى الولاة والقضاة، وانزلق كثير من كبار رجال الدولة إلى الفساد والنقائص والتحكم، وهنا أخذ الناس العاديون يطلقون نقمتهم مغلفة بغشاء من التهكم والتنكيت، وأصبح مألوفا في معظم القرى العربية وضواحي المدن الفقيرة أن نصادف ظريف القرية، الذي يتجول في الأسواق متكسبا بظُرفه، مستهدفا بطرائفه ضابط الأمن، ومفتش البلدية وكبير الناحية. قُسم الكتاب إلى فصول يختص كل منها بمرحلة من تاريخ العرب، يوضح الكاتب الظرف الاجتماعي الأبرز فيه ثم يروي مجموعة من الحكايات والأشعار التى رويت عنه. من أشهر الشخصيات الفكهة جحا الذي كانت طرائفة عابرة للزمان والمكان، وليس أدل على شعبية هذا الحكيم الأحمق من تنازع الأمم عليه، فقد ادعاه العرب والفرس والأتراك والأكراد. اهتز العالم العربي بعد نومة طويلة بالحملة النابوليونية على مصر، عندها اكتشفنا أننا قد ابتعدنا عن المنافسة الحضارية مع أوروبا، وفوجئ العرب بما تحفل به الآداب الأوروبية من هذه الأنواع من الأدب الدعابي، الذي انتقل من أدبائهم إلى سياسييهم، و من كلامهم المحكي والمكتوب إلى خُطب زعمائهم ومجالس برلماناتهم، فأخذ العرب يقتبسون من الآداب الأوروبية، اقتبسوا الحوار المسرحي وفنون الملهاة المسرحية والرسوم الكاريكاتورية، وبرع منهم من تخصص في ذلك مثل يعقوب صنوع “ أبو نظارة” ، وعبدالله النديم خطيب الثورة العرابية، استهدفت هذه الأنماط الأدبية المستعمر الإنجليزي، ثم الحاكم العثماني. ثم صدرت صحف ومجلات مختصة بهذه الآداب مثل “ مصباح الشرق “ لإبراهيم المويلحي، و “ خيال الظل” لأحمد حافظ عوض، و”الببغاء المصري” لعبد المجيد كامل، ثم “السياسة المصورة” و “ اللطائف المصورة” ، كذلك تخصصت بعض هذه المجلات بنقد الزعماء المحليين مثل “ الكشكول” التي عارضت الزعيم سعد زغلول، و “ روز اليوسف” التي أصبحت أشهر مجلة هزلية في العالم العربي. وازدهرت هذه الفنون أكثر على أيدي الرسامين الهزليين، الذين تفننوا في اختراع شخصيات تدور حولها طرائفهم، مثالهم شخصيات “المصري أفندي” و “ السبع أفندى” و “ رفيعة هانم “، و “ كشكش بك” ، وقد وصلت شعبية هذه الشخصيات إلى السوق فأطلقت على بعض المحلات التجارية، وصوالين الحلاقة، ومحلات إصلاح الأحذية. ومع الوقت أصبح لكل صحيفة نمطا تتميز به عن أشباهها، مدرسة “روز اليوسف” مختلفة عن مدرسة “ آخر ساعة” ، فإن “ آخر ساعة” لم تكن مجلة متطرفة، ولا سعت لمجابهة النظام القائم، ولم تتبن قضية المحرومين مثل “روز اليوسف”، بل عملت أساسا من داخل النظام، فأفردت أعمدة متسعة لأخبار المجتمع الراقي ومداولاته، ولكنها ضمنت هذه الأخبار تعليقات جارحة. وقد انتقلت ظاهرة الصحافة الفكاهية إلى أقطار غير مصر، مجلة الدبور اللبنانية صدرت لمدة ستين سنة وقد عطلها المستعمر الفرنسي مرارا، أما المجلة الهزلية التي نشأت في العراق بعنوان “ كناس الشوارع “ فقد كان من سوء حظ صاحبها “ ميخائيل تيس” أن تعرض لرصاصة كادت تؤدي بحياته. وهذا يظهر مدى التفاوت في مزاج الشعوب بين مصر والعراق. وقد دافع طه حسين عن هذا النوع من الهزل بأن الديمقراطية لها حسناتها وعيوبها، وعلينا أن نتحمل هذا في سبيل تلك، وأن التصدي للأدب الهزلي لا يكون إلا بهزل مثله. يتحدث عن سياسيين سادت في خطابهم الطرافة مثل فارس الخوري في سوريا، وفايق شكري في العراق، أما “عبدالعزيز البشري” من مصر فوصفه بأنه أشهر أرباب الظرف في العصر العربي الحديث، وكان يجتمع حوله مجموعة من الظرفاء، وقد اشتهرت بعض مقاهي العالم العربي باجتماع شلة الظرفاء فيها، يطلقون النكات ويناقشون الأحوال العامة ويتداولون في أحكام اللغة مثل “ المقهى السويسري” و” المقهى البرازيلي” في بغداد ومقهى “ الأنجلو “ و “ اللواء “ و “ متاتيا” في مصر ومقهى “ البرازيل “ في دمشق. ثم جاءت الانقلابات العسكرية في مصر والعراق والشام فتغير الحال، إلى العصر الذي أسماه الكتاب “ عصر التهكم والخيبة”. يتحدث الكاتب عن عصر ناصر الذهبي، حيث توجهت النكتة إلى الهجوم على ديكتاتورية الجيش واستيلاء العسكر على مفاصل الدولة وعدالتهم في توزيع الفقر على الجميع، تحمل ناصر في بداية عهده الكثير من ذلك، ولكنه ضاق يوما بأحد الظرفاء الذين تمادوا فطلب إحضاره، وعاتبه طويلا، وختم العتاب بقوله: تتذكر ولا شك أن تسعة وتسعين في المئة من الشعب قد انتخبوني! رد الظريف مقاطعا: أقسم بالله، هذه النكتة مش أنا اللى قلتها!، بعد النكسة، تفجرت النكتة الحارقة التى نعت النظام العربي، أهم ظواهره كانت ظاهرة الشاعر أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام التي تفاعل معها المصريون والعرب وما زالوا. كتاب طريف حافل بالمتعة، ولكن حمولته من الشجن أكبر، انتهت الحال بالظرف العربي إلى نوع من الإثارة السوداء.