من عادةِ بعضِ الملاحق الثقافية في الثمانينات وما قبلها إتاحة المجال لكاتبٍ ما أو ناقدٍ ما كي يتناول مواد الملحق السابق بالنقد والتحليل والمتابعة وتسليط الإضاءات الكاشفة على المعتدل والمائل والرصين والذابل من آراءٍ أو حواراتٍ أو نصوص ، أذكرُ هنا تحديدًا متابعات الدكتور الناقد محمد صالح الشنطي لِمَا كان يُنْشَرُ على صفحات مجلة اليمامة الثقافية وفي ملحق “ دنيا الأدب “ بصحيفة “ المدينة “ الذي كان يشرف عليه الأستاذ القاص سباعي عثمان ، كما أذكر متابعات الشاعر يوسف أبو لوز لِمَا كان يُنْشَرُ في ملحق “ المربد “ بصحيفة “ اليوم “ الذي كان يشرف عليه الأستاذ الشاعر علي الدميني. هنا،وبمناسبة دخول هذا الملحق سنته الثالثة، أردتُ تمثّلَ تلك التجربةِ الجميلة ، محاولًا إلقاء الضوء على بعضِ ما نُشِرَ في “ شرفات “ والاشتباك مع بعض الآراء والأفكار والنصوص التي وجدتُني معنيًّا بها وقد مسَّتْ في أعماقي وترًا ما فاستجَبْتُ لما اقترحَتْهُ عليَّ من دندنات. على أملِ مواصلةِ التنزه الهادئ في بساتين “ شرفاتنا “ الوارفة في أعدادٍ قادمةٍ بإذن الله. 1 في العدد الأول من “ شرفات “ لَفَتَ انتباهي الكاتبُ الشاب يوسف أبَّا وهو يتناولُ فيلمًا بعنوان “ راس براس “ لمالك نجر. في إطلالته الأولى هذه - عبر زاوية “ صور تتحرك “ - يفصحُ يوسف عن ثقافةٍ سينمائيةٍ رائعة ، وعن متلّقٍ متابعٍ حصيفٍ و قريبٍ مما يحدثُ في الفضاءِ السينمائيِّ من تجليات ، فضلًا عن تمتعه بحسٍّ مميَّزٍ جعله يتجلى في كتابته عن فيلم “ قتلة زهرة القمر “ للمخرج سكورسيزي وهو من بطولة الممثلين الكبيرين روبيرت دي نيرو ، وليوناردو ديكابيرو. راقت لي كتابة يوسف عن الفيلم الذي يراه “ منحازًا للعدالةِ التي لم تُطَبَّقْ على الكثيرين “ ، كما راقتْ لي إشارتُهُ إلى “ ملمحٍ عنصريٍّ “ كان يحضرُ بجلاءٍ في فضاءِ الفيلم ، وطربتُ لتلك الخلاصةِ التي ظفرَ بها يوسف والتي مفادها أن “ الحياةَ تستمرُ رغم الاغتيالات والمآسي “ وهو بهذه النظرة المشرقة يؤكدُ على أن حبره هو الآخر مدجَّجٌ بالأمل في هذا الزمنِ الضريرِ الكئيبِ البارعِ في إنتاج الجثث وتشييدِ المقابر ومكاثرةِ الخراب. في “ صور تتحرك “ أحببتُ يوسف وكتابته وتفاؤله خصوصًا حين وضعَ يده على القضايا الإنسانية المهمة المبثوثة في هذا الفيلم وحين كتب عنها بكلامٍ زهيدٍ من دون إغراقٍ في الثرثرة وفي التفاصيل التي لا جدوى منها. أخيرًا أقول : يوسف أبَّا هو ابنُ الدكتورة الساردة المبدعة هناء حجازي وابنُ الكاتب والمثقف والمترجم القدير “ الأستاذ “ فايز أبَّا ..حضوره المشرق في “ شرفات “ يعني فيما يعنيه أنَّ بيتًا مؤثثًا بالثقافة وهواجسِ التنوير لابد أن يكون حقلًا مثقلًا بالثمارِ المقمرةِ وأولُها يوسف. 2 في سياق الملف الخاص بأستاذنا فهد الخليوي المنشور في العدد الرابع من “ شرفات “ تحدث الخليوي في حوار أجراه معه الصديق عبدالعزيز الخزام مدير تحرير اليمامة والمشرف على هذا الملحق الجميل ، أبرز ما في هذا الحوار البسيط العميق المقتصد العفوي الذي يشبه “ دردشةً “ دافئةً في مقهى عتيق بحي الهنداوية مثلًا - وهو الحي الذي كان يقطنه أستاذنا عددَ سنين - ما لمسته من تواضع وصدق وصراحة ونبل وإيثار في حديث ساردنا المتألق وأحد أهم كتاب القصة القصيرة في السبعينات وأحد أهم المشرفين في الصحافة الثقافية في تلك المرحلة. في هذا الحوار امتدح الخليوي الآخرين مثمنًّا جهودهم وعطاءهم ومواقفهم النبيلة والباسلة متجردًا من غوايات الأنا وما تمليه على صاحبها من نرجسيةٍ بائسةٍ أو تضخمٍ كريه. على الرغم مما كان يبذله الخليوي من جهودٍ رائعة في مجال الصحافة الثقافية ، وعلى الرغم من انحيازه التام لكل صوتٍ جديدٍ مغاير ، وعلى الرغم من تحمله لصنوفٍ شتى من العداوات والكثير من أنواع الأذى في سبيل دعم الثقافة الجديدة والإبداع المختلف في ذلك الزمن الممعن في التقليد والمكرّس والثابت والراكد والعادي إلا أنه لم يقلْ : أنا سيّدُ المرحلة وحاديها الهُمام ولم يصفْ نفسه بأنه كان رائدًا من رواد الحداثة الكبار ولم يعتبر جيله حاملَ بشاراتٍ نادرةٍ ولم يضعْ على كتفيه نجوم الريادة ولم يزيّنْ صدره بنياشين المجدِ الكتابي وأوسمة الزعامة الثقافية وهالات الصمود والتصدّي..بل اكتفى بالقول : “ كان جيلنا ضمن أجيال وليس من اللائق أن نستمر إلى الأبد “ ، وأضافَ بتواضعٍ جَمٍّ : “ لسنا روادَ حداثةٍ ، ولم يكن هدفُنا سوى التنوير حسب “. هنا - عبر هذا الحوار المتقشف - قدّمَ لنا الخليوي درسًا عميقًا وصادقًا ونبيلًا في التخلّي عن الذات وأسقامها العريضة ، ودرسًا فاخرًا في الصفاء النفسي والروحي بعيدًا عن الأوهام وعن ادعاءاتِ البعض خصوصًا في سياقِ ما حدثَ فيما بعد ، وأعني تحديدًا مرحلة الثمانينات أو ما يُسَمَّى بمرحلة الحداثة، إذْ سادَ في ذلك الوقتِ مديحُ الذاتِ الفجُّ ظهرَ جليَّا في كتبٍ أنجزَها أصحابُها بوصفهم روادَ حداثةٍ فريدة وقادةَ فكرٍ مغايرٍ وسادةَ وعيٍ جديدٍ كما ظهر ذلك الهراءُ في مقالاتٍ طويلةٍ وحواراتٍ مسهبةٍ وندواتٍ صاخبة..وهناك من ظلَّ يجترُّ ذلك المجدَ الزائفَ حتى وقتنا هذا مقتنصًا المناسبةَ تلو الأخرى ليصرخَ فينا دونما وَجَلٍ هكذا : “ أنا سيّدُ تلك المرحلةِ وسأظلُّ سيدَها .. وللأسف الشديد كل من هَبَّ ودَبَّ مِمَّنْ ينتمي لتلك المرحلة وصفَ نفسَهُ بأنه قائدُ قافلةِ الحداثة الذي عبرَ بها “ خَطَّ بارليف “ ذلك الزمن وأنقذَها من الصدأ وصانَها من النكوص وضواري العتمة ودفعَ بها بعيدًا إلى براري النور والجمال. أستاذُنا الخليوي لم يرتكبْ هذه الحماقة ؛ لأنه صادقٌ مع الذات وأمينٌ مع الآخر ..ولأنه كذلك لم يسمحْ لنفسه الوقوع في مستنقعِ مديحِ الذاتِ الزائف ولم يُعْلِ من شأنِ دورِهِ الثقافيِّ ولم يحط من قدر الآخرين ولم يرشقْ أحدًا بالورد أو بالحجارة. بل امتدحَ سادةَ مرحلته بما يليقُ بهم وقد تجلَّى ذلك بوضوحٍ تام في حوار “ شرفات “ معه عندما تحدَّثَ عن الشاعر محمد حسن عواد - رئيس نادي جدة الأدبي حينذاك - ودوره المنحاز للتجديد والمجددين حين وصفه بأنه “ فنانٌ ورائدٌ عظيم “ ، كما أبدى احترامًا كبيرًا للدكتور عبدالله مَنَّاع - رئيس تحرير مجلة اقرأ - ودوره الداعم للثقافة الجديدة في ذلك الزمن الصعب ، لقد كان مديحُ “ أبي سليمان “ لهذين الاسمين البارزين ولسواهما مديحًا كريمًا من كبيرٍ لكبارٍ مثلِهِ ، خصوصًا حين قالَ بتلقائيةٍ صافية : “ وقف عبدالله منَّاع إلى جوارنا ومنحنا الحريَّةَ الكاملةَ في النشر ، وكان يدافعُ عَنَّا وعن توجهنا وعن أخطائنا “.. هنا يبدو الخليوي متجردًا من أسقام الذات الأمّارة بالنرجسية والادّعاء والتعالي ، وهنا أيضًا يكمنُ جمالُ روحِ المثقفِ الأصيلِ والمبدعِ الحقيقيِّ الذي يحملُ هَمًّا ورسالةً وهدفًا ، فلم يسندْ نجاحاتِ جيلٍ كاملٍ إلى فردٍ وحيدٍ معزولٍ مهما توافَرَ هذا الفردُ على صفاتٍ عظيمةٍ ونادرةٍ تشبهُ صفات “ سوبرمان “ عصرِهِ وأوانِه. لقد قدَّمَ لنا أستاذُنا المحترم درسًا عظيمًا حين قالَ بتواضعٍ جليل : “ لم أكنْ مهتمًّا بإصدارِ الكتب ، كنتُ أريدُ فقط أن أساهمَ في التنوير “. 3 في العدد الخامس من “ شرفات “ أدارَ عنقي حديثُ الشاعر والصحفي والصديق النبيل محمد جبر الحربي ، خصوصًا حديثه عن تضحيته بالابتعاث إلى بريطانيا لدراسة الطب وعودته إلى أرض الوطن للالتحاق بالصحافة وخصوصًا الصحافة الثقافية. هذا الشغف بالصحافة والثقافة والكتابة والإبداع والتضحية بمجد الطب - تلك المهنة العالية التي يجلُّها المجتمع أو هي الدجاجةُ التي تبيضُ ذهبًا كما ينظرُ إليها بعضُ الناس - والتضحية بالعيش الرغيد في الغرب حيث الحياة المتجددة في الجنوب الإنجليزي ، كل ذلك يعني فيما يعنيه صدق الحربي مع ذاته وموهبته وانسجامه مع قناعاته وتشبثه العميق بما يؤمن به كفردٍ مستنير في زمنٍ كان ضبابيًّا يركنُ للعتمة والركود والاستنساخ واجترار الأفكار والنصوص. جمال الحربي هنا يتجلّى في إصراره على الاشتغال بالشأن الثقافي والتنويري تحديدًا إذْ جعلَ ذلك هدفًا عظيمًا سعى إليه وضحّى من أجله وأثمر فيه كما تثمر الحقولُ السخية ، رغم ما في الالتحاق بالصحافة كمهنة - وخصوصًا الصحافة الثقافية - من مخاطر يعلمها الجميع ، إذْ تجدُ نفسَكَ - ذات خطأ يسيرٍ أو “ زلّة “ غير محسوبة - على الرصيف تبيع شايًا على الجمر ! هذا اليقينُ العالي بأهمية الثقافة والعمل الثقافي المخلص إنْ دلَّ على شيءٍ فإنّما يدلُّ على أصالةِ وعي الصديق محمد جبر الحربي كما يدلُّ على إيمانه العميق بأنّ الثقافةَ الجادَّةَ والمغايرة والمستنيرة والمتحدية والعنيدة هي التي تُحْدِثُ “ التغييرَ” في المجتمع و” القفزةَ “ الفارقةَ في وعي الناس. الحربي هنا بمجازفته هذه يقف على النقيض ممن دخل عالم الصحافة - والصحافة الثقافية على وجه التحديد - فثمة من دخلَها طمعًا في إحرازِ مكاسب خاصة كالذيوع والحَظْوَة والسطوع و “ الترزز “ في الواجهة لحصدِ بريقٍ اجتماعيٍّ زائفٍ أو شهرةٍ تافهة. لهذا كله أرفع شماغي عاليًا تحيةً لشاعرنا الجميل الذي غامَرَ بالعمل في الصحافة ، و أسس ملحق “ أصوات “ بهذه المجلة الرائدة وأشرف عليه وحرص على أن يكون مميزًا بدعمِ كلِّ صوتٍ موهوب وكل حبرٍ واعدٍ وكلِّ خطوةِ مضيئة وكل حرفٍ مغاير. أخيرًا أقول شرفٌ لي أن أذكر هنا أنني كنتُ واحدًا من تلك “ الأصوات “ التي رعاها محمد الحربي والتي وجدَتْ على يديه دعمًا وتشجيعًا - كان ذلك في بدايات الثمانينات - حينها كنت أقف وأسير وأتعثر وأسقط وأنهض لأجد من ينقذني من عثراتي في درب تلك البدايات المريرةِ الأولى ، ولقد كان ذلك الدربُ ذاته عسيرًا وشائكًا ومضنيًا لولا عناية المخلصين للثقافة والإبداع والجمال أمثال أستاذي المقمر الجليل محمد جبر الحربي. 4 وفي العدد الخامس أيضًا أحببتُ كثيرًا ذلك التحقيق المهم الذي أعدَّتْهُ الزميلة مؤمنة محمد وتناولت فيه “ مقاهي الشريك الأدبي “ التي تعمل تحت مظلة وزارة الثقافة وتهدف إلى رفع مستوى الوعي الثقافي في المجتمع وجعل المقاهي ملتقى للأدباء والمثقفين ومحبي القراءة. أحببتُ كذلك إشارتَها إلى الجائزة المالية وقدرها مئة ألف ريال تمنحها هيئة الأدب والنشر والترجمة لأفضل شريك أدبي أو لنقل للمقهى المتميز في إثراء الحراك الأدبي المحلي. وعلى الرغم من أنَّ الزميلة مؤمنة وصفت مبادرة الشريك الأدبي بأنها “ فكرةٌ خلاقة “ كونها - حسب قولها - “ أخرجت اللقاءات الأدبية من قالب الجمود ومن سطوة النخبة وقربت المثقف من جمهوره “ إلا أنني أرى أن الاستجابة لهذه “ الفكرة الخلاقة “ كما تصفها مؤمنة لم تكن على ما يرام ، بدليل ما أوردته هي في تحقيقها هذا عندما قالت : “ في أحد اللقاءات كان عدد الحاضرين في المقهى الثقافي ثلاثة فقط : الضيف وصديقه وأنا “ .. وهنا تُخْرِجُ أسئلةٌ كثيرةٌ ألسنتَها لنا صارخةً : ما السبب ؟ وأين يكمنُ الخلل ؟ خصوصًا وأن الزميلة مؤمنة أخبرتنا من دون تحفظ أن “ بعض مقاهي الشريك الأدبي لم تقدّمْ نشاطًا واحدًا “ ! من جهتي أقول : ليت الزميلة أثْرَتْ تحقيقها هذا باستطلاعِ رأي المهتمين بهذا الشأن ، وليتها كذلك سألت المسؤولين في هيئة الأدب والنشر والترجمة عن أسباب هذا الإخفاق. 5 في العدد السادس من “ شرفات “ أدهشني نصٌّ بعنوان “ سورة البلد “ للكاتب الواعد معاذ يحيى مكي. في هذا النص تتجلى لغةٌ رائعةٌ تؤاخي بين السرد والشعر هكذا : “ حبٌّ دافئٌ يطرقُ بابَ روحي في هذا الصباح / أشعرُ بدقاته في عمقِ قلبي كمطرٍ يتساقطُ بغزارةٍ في أرضٍ قاحلة “. ماذا يفعلُ الحبُّ هنا ؟ إنه يعيدُ الناسَ أطفالًا أنقياء ، تمامًا كنقاءِ طفلٍ يصلّي ، كنورِ طفلٍ يؤمُّ الناسَ في مسجدِ القريةِ الغارق في الضوء والمحبة. هنا في هذا النص القصير الجميل يلتقي الحبُّ الذي تشتعلُ جمرتُهُ بين المرأة والرجل بحبِّ طفلٍ يفيضُ قلبُهُ شغفًا بنور الله ، ذلك العشقُ الصوفيُّ الذي جعله يستعيدُ جماليات “ سورة البلد “. وبما إنني أشرتُ إلى “ العشق الصوفي “ الذي تجلى في ذلك النص الذي أنجزه معاذ مكي ومسَّ أعماقي من دون جلجلةٍ إيقاعية أو صخبٍ موسيقيٍّ بل من دون وزنٍ ولا قافيةٍ فإنه يحقُّ لي أنْ أشيرَ إلى قصيدةٍ بعنوان “ الجذبة “ لمحمد يعقوب الواردة في العدد السادس نفسه والمهداة إلى “ الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي “ . هذه القصيدة تتكئ كثيرًا على “ مصطلحات “ مقتبسةٍ من فضاءٍ صوفيٍّ ونفَسُها نفَسٌ يكادُ يكونُ صوفيًّا وكأنَّ منشدَها يَوَّدُ أن يقولَ لنا إنه ينتمي لذلك الأفق الإشراقيِّ العظيم الذي يمنحُ النصوصَ أقمارًا استثنائيةً وجمالًا نادرًا وحضورًا عصيًّا على تقليدِ واستنساخِ أصواتِ الآخرين لتي برعَتْ وحلَّقَتْ في هذا الأفقِ الشعريِّ الذي هو في العادةِ يلمسُ القلبَ ويسري بالمتلقي إلى سماءٍ ثامنة. هنا سأكونُ صادقًا مع هذا النصِّ - بعيدًا عن محبتي للشخص - لأقول : حقًّا كان النصُّ مستوفيًا لشروط القصيدةِ من وزنٍ وإيقاعٍ وقافيةٍ وسواها من الشروط الخاصة بتأثيث القصيدة البيتية لكنه لم يلمسْ قلبي ولم يتركْ أثرًا في روحي على الرغم من كوني قارئًا مخلصًا للمنجز الإبداعي الإشراقي ولتلك الآثار العظيمة التي تركها لنا الحلاج وابن عربي والنفري وجلال الدين الرومي وفريد الدين العطار وأبو يزيد البسطامي وسواهم كالطواسين والمواقف والمخاطبات والمثنوي ومنطق الطير و غيرها. يقول محمد يعقوب مخاطبًا ابن عربي : “ يا شيخُ ، أنهكنا الطريقُ ومسَّ أهلَ الحبِّ قَرْحُ والنفسُ يغلبُها التعلُّقُ كلُّ هذا البحرِ ملحُ “ إلى أن يقول : “ مَنْ نحنُ ؟ تاريخُ الغبارِ ومحضُ أسئلةٍ تكحُ “. والمفردةُ الأخيرةُ هذه - أعني تكح - أجهزَتْ تمامًا على النفَسِ الشعريِّ الذي كان يرمي محمد يعقوب الوصول إليه حين هَمَّ بكتابةِ هذا النص الذي يؤكدُ فيه على أنّ “ كل هذا البحرِ ملحٌ “ !!وليس مدجَّجًا بأكياسِ السُّكَّرِ أو مؤثثًا بمخازنِ العسل ! قاتلَ اللهُ القافيةَ وغواياتها ، يا صديقي.