الجدل من عدوٍّ متوهَّم إلى ضرورة ثقافية

كثيرًا ما يُنظر إلى الجدل في المشهد الثقافي على أنه خطر أو سلوك مزعج، وكأن السؤال في أصله تهديد لا وسيلة للفهم. تُستَخدم كلمة (مجادل) لإيقاف الحوار بدل فتحه، ويُعامَل الاختلاف بوصفه مشكلة، مع أن الثقافة لم تنشأ إلا من الاختلاف، ولم تتقدّم إلا بالنقاش وتبادل الرأي. في المشهد الثقافي اليوم، تُطرح أفكار كثيرة، لكن القليل منها يُناقَش بجدية. يُفضَّل الخطاب السهل والعناوين الجذابة، بينما يُقابَل من يسأل عن المنهج أو يراجع المفهوم بالحذر أو الاتهام. وهكذا يتحوّل الجدل من حق ثقافي إلى تهمة، لا لأنه خاطئ، بل لأنه يربك المألوف ويختبر المسلّمات. لكن الجدل الذي نحتاجه ليس موجَّهًا إلى الأشخاص ولا إلى الأسماء، بل إلى الأعمال نفسها. فالنقد في جوهره يتعلّق بما يُقدَّم من كتب وأفكار ومحاضرات، لا بمن قدّمها. وحين يُختزل النقد في أشخاص محددين، أو يُمارَس بانتقائية، يفقد دوره في تطوير المشهد، ويتحوّل إلى تصفية مواقف لا إلى فحصٍ معرفي. المشهد الثقافي السعودي اليوم يشهد اتساعًا واضحًا وحراكًا متنوعًا، لكنه بحاجة إلى نقد واعٍ يفرّق بين الكثرة والقيمة. كثرت الكتب والروايات، غير أن كثيرًا منها لا يضيف معرفة حقيقية، ولا ينسج وعيًا، ولا يترك أثرًا يتجاوز لحظة القراءة. كما أن بعض المحاضرات والفعاليات تحوّلت إلى مساحات للظهور أكثر من كونها مساحات للفكرة، تتبدّل عناوينها بينما يبقى محتواها مكررًا ومحدود الأثر. وتزداد المشكلة حين يتدخّل الانحياز الثقافي، فتُستثنى بعض الأعمال من النقد بسبب أسماء أصحابها أو مواقعهم، بينما تُواجَه أعمال أخرى بقسوة لأنها خارج الدائرة. عندها لا يُقاس العمل بجودته، بل بمكانة صاحبه، ويُستبدل السؤال بالاصطفاف، والمعيار بالولاء. الجدل المفيد هو الذي يعيد الاعتبار للحجّة، ويضع الجميع أمام معيار واحد ماذا أضاف هذا العمل؟ وما قيمته؟ وما أثره في الوعي؟ أسئلة لا تستهدف شخصًا، ولا تُقصي اسمًا، لكنها تحمي المشهد من التكرار، وتمنحه فرصة حقيقية للنضج. وفي المقابل، يجب ألّا يتحوّل الجدل والنقد إلى عداوات أو معارك أدبية، ولا إلى جمهور منقسم بين هذا وذاك. فحين تُدار الثقافة بمنطق الخصومة، لا ينتصر الفكر، بل ترتفع المهاترات. كما أن الساحة الثقافية لا تحتاج إلى تسلّط أو انفراد بالعرش الرمزي، ولا إلى تضخيم (الأنا) تحت مسمّيات الأقدم أو الأفضل أو الأحق، لأن الثقافة ليست مساحة سيادة، بل مساحة مشاركة وتعدّد. وفي النهاية، ليس المطلوب أن نكسب المعركة، بل أن نكسب المعنى. الجدل الحقيقي هو الذي يُنقّي المشهد لا الذي يُشظّيه، ويُضيء الفكرة لا الذي يحرقها، ويُبقي باب السؤال مفتوحًا دون أن يحوّله إلى قطيعة. وحين يُمارَس بهذا الوعي، لا يكون الجدل تهديدًا للثقافة، بل ضمانًا لبقائها حيّة، قادرة على التجدد، ومحصّنة من السطحية والابتذال.