الساعة التاسعة صباحًا.

بوقاحةٍ تامةٍ أوقف سيّارته بالاتجاه المعاكس للسير، نزل مسرعا باتجاه المقهى، لم يُلقِ أيّ تحيّةٍ، وجهه كئيبٌ وعيناه مكسوتان بالظلام، طلب قهوةً سوداء بصوت مرتفع تعكس لون عقله الذي يحتوي على كرات غبيّة كثيرة، مُسرعًا خرج باتجاه سيارته التي ما زالت على قيد التشغيل، تمنيتُ أنّها سُرقت، بينما استمر بالاتجاه المعاكس مظهرًا جانبًا من وقاحته. الباب يفتحُ بهدوء تام، كانت تمسح الأرض بقدميها، بينما تنهض أطراف المقهى لاستقبالها، خطوتها الأولى تركت خلفها ضوء الشمس منتظرًا، بينما اقتربتْ هي من النادل، وطلبتْ قهوة سوداء تشبه لون عينيها، حين استلمت طلبها، توقف قلبي عن النبض قليلا، سرعان ما غادرت المكان وتركت صورتها على مرآة واقفةٍ قريبة من وردة صناعية وأغلقت الباب. وجه النادل يشبه حبة فراولة تبدو عيناه كأنما خرجتا للتو من دلو ماء صافٍ، بينما حاجبها كطريق زراعي قليل الشجر، وفي مشيته هدوء كأنّه طائر بجع يتهادى حول النهر، يداه صغيرتان طفوليتان تمد اليمنى فنجان القهوة بينما تحمل اليسرى آلة السحب المالي، يرتدي قبعة من حصير ولكنه لا يمتطي حصانا، حين يتحدث تمتزج الحروف في لكنة يصعب تمييزها لكنها جميلة يطرب لها سمع من يحاوره، حين أغادر المكان يبتسم وجــــه النادل. الكرسيُّ الذي اتخذته صديقًا في كل زياراتي الأخيرة قريب من الأرض، يدعو جسمي للانزلاق رويدا رويدا أغدو كأني جسم هلامي يلتصق بالأرض، أحاول أن أعيد ترتيب وضعي ولكن الأرض تعشقني جدا، ربما تشعر أني ولدتُ منها، بينما طاولتان أمامي إحداهما أصغر من الأخرى، أضع رجلي على الصغيرة، بينما تحمل الكبيرة فنجان قهوتي الصغير، أشعر باحتقار نفسي، أودّ أن أوبخني، لكن لا أحد سواي في المقهى، ولذا أعيد وضع رجلي على الطاولة وأتمدد على الكرسي. أمام قائمة الطلبات أتوقف أحاول أن أغيّر مشروبي المفضل لآخر لم أجرّبه من قبل، انتظار النادل أمامي يزعجني، على الرغم من الهدوء التام الذي يتخلق في المكان، يبتسم الباب، تدخل وتمشي بهدوء، لمسات حذائها معزوفة، تدنو وتمد يدها لقائمة الطلبات الأخرى، كان عطرها باسما، حين لمحت طلاء الأظافر الأحمر يكسو أناملها شعرت بحزن عميق، ورائحة اشمأزت منها نفسي، تراجعتُ قليلا، أشغلتُ روحي بهاتفي، حين توارت خارجة، شعرت بارتياح عميق، أشرت للنادل، وطلبت مشروبي الجديد من قائمة الطلبات. المرآة التي تقف صامتة عند الباب تعكس حزن المكان، يجلس بالقرب منها شاب يرتدي اللون الأسود ينظر إلى نفسه في المرآة تعجبه هيئته كأنه فتاة في الخامسة عشر من عمرها، يقف شامخا، جسمه رياضي، تبدو علامات الكآبة على وجهه، والثراء توحي به ساعته، حين وقف أمام المرآة أخذ يمسد شعره، كانت يده اليسرى تمسك بشعره من الجانب الأيسر بينما تقوم اليمنى بعملية مسح تدريجي للجانب الأيمن على الرغم من آثار الصلع البادية على مقدمة شعره، تظهر المرآة انزعاجها واشمئزازها فقد أخذ وقتا طويلا أكثر من أي فتاة تلتقط صورة لقهوتها أمام المرآة. الشجرة التي نبتت على حافة الرف الأيمن في المقهى تبكي حين ترفع الشمس من درجة حرارتها، كان النادل لا يتأخر كثيرا عنها في تقديم واجب الشكر كل يوم، فهي تمنح المكان لونا مختلفا، فكل الألوان داكنة داخل المقهى تبعث رائحة الحزن، ولكن تبقى الحياة الوحيدة التي تنمو ببطء دون أن تحدث شرخا زائدا في الحياة، دون أن تلوث الوجود برائحة اللامبالاة، كان نموها حديثا صامتا تنحني لكل داخل وتقدم قربان محبة له، ولكن سرعان ما تموت الشجرة. بعد يومين يتكرر المشهد الأول، أتقزز من شكل الشاب الداخل إلى المقهى يبدو لباسه أسود لا أعلم وأنا اقرأ رواية كورية كيف خطر ببالي حراس الملاهي الليلية، الوقاحة سلوك اجتماعي، لا يمكن للهواء النقي الذي أتنفسه صباحا أن يتلوث بالمنظر المتكرر نفسه، أشعر أن الباب يكظم ألمه والدهشة تحيط عنقه، لكن النافذة التي أغلقت تماما تبكي بعد عبور سيارة ذاك الشاب الوقح معاكسة للاتجاه، كنت أتساءل هل سيتكرر المشهد نفسه بعد يومين. رائحة الساعة التاسعة صباحا تبدو كئيبة، تختلط في ذاكرتي أوراق الشاي الأخضر الذي يحبه صديقي، ومقبض الباب يشعر بسعادة غامرة من بقايا العطور التي تلامسه كل صباح، حين أدخل إلى المقهى لا أميز كثيرا بين رائحة القهوة ورائحة الأثاث، المساحة الفارغة في المكان تحمل خفايا الحزن، أتلمس مثلا رجلا ما زال يحاول الحصول على طفله الأول، أو شابا يفكر في اختبار القدرات ومحاولته الأخيرة، لا أحد في المقهى، أنتظر احتراق الوقت كي أبدأ رحلة الحزن الساعة التاسعة صباحا.