مغامرة النهار وأحاديث النار والليل شهادة من القلب، من الأيام.
ربع قرن من الرفقة. أقول دوماً أن الكتابة عن أصدقاء العمر تحمل شيئين نقيضين؛ بهجتها المشعة من صوب، والهمّ والمشقة في فعل الكتابة نفسه، حيث لا تعرف – والأيام العالية بتفاصيلها بينكما مزدحمة - عن أي شيء هو الأولى من الآخر بالحديث، كي تقول للناس “هذا صاحبي”.. وفي كل مرة أترك الأمر للقلب وعفو الخاطر.. فأختار الرسم وإفشاء الحكايات. وكي تعرف عادل حقاً.. خذ هذه المفاتيح؛ فلتبدأ من علاقته العجيبة بوالده. شخصياً لا أعرف نظيراً لها، حين يكبر الوالد والولد معاً، كصديقين في رحلة صيد، يخرجان فجراً ويرجعان آخر النهار وكلٌّ منهما يحمل طرائده على كتفه. يشعلان النار وبينما يقطعان اللحم يحدق كل منهما في الآخر، يغرسان الأسياخ في اللحم بصمت، ويضعانها على أطراف الحجارة. حين يشرعان في شرب الشاي والتدخين فقط يبدآن الحديث، ويقصّان على بعضهما ما حدث طيلة النهار الذي كانا فيه معاً، وهذه أعلى مراتب الصحبة. كان أثقل مشوار أقطعه نحو عادل هو مشوار عزائه في والده لأني أعرف هذا العمق. وصدقاً كنت أقول الكلام الممكن ليلتها كي أفاديه شهقة الدمع المباغت، وكان يجيب ويزيد في الكلام كمن يقول “أفهمك. لا تقلق”. كان أثقل مشوار أن تضع يدك على كتف صديقٍ في أساه، وأنت تعرف أنه ليلتها بلا كتفين، لكنه لا يريد لجلسة الصيد الأخيرة مع صديقه العجوز إلا أن تكون كسائر الليالي العظيمات، فيكتم.. ويتجمّل! وكي تعرف عادل أكثر تأمله في علاقته بأطفاله، عادل الذي صار أباً، وكي تعرفه تأمل صداقاته، وهو قلب الرفقة، بل وفي كل من يقترب منهم ويقتربون منه، وسترى في كل علاقته بهؤلاء تلك الحكاية، خرجة الفجر، صيد النهار، عودة الغروب، شبّة النار، وأحاديث الانتظار على قدح الصحبة. حب الآخرين هو المضي في مغامرةٍ جميلةٍ ما معاً، ولا يهمّ كيفما كانت. هذا عادل! حتى في الثقافة والدور والأثر.. يفعل الشيء نفسه؛ من عمله في مجلة فواصل ومجلة الجزيرة والأوساط الشعبية والفنية والرياضية، واشتغاله في بدايات قنوات أوربيت، ثم قيادته لمنتدى طوى وأوقاته العجيبة، وهناك الكثير مما يقال ولا يقال، إلى راويته الذهبية، وإن لم ينتبه إليها كفاية، وهو لم يهتم “مساء يصعد الدرج”.. وصولاً لدار طوى للنشر، ذلك الجناح الصغير/الكبير، من الكلمات والأحلام، الذي شعر فيه السعوديون أن لهم حصناً وفي أيديهم بنادق، وليت لياقتها وظروفها كانت أوسع رحابة. مغامرات كثيرة في كل جهة، حياة مليئة بالخروج للصيد في كل ناحية، حتى استحال رأسه إلى محقن للذاكرات الشتّى، وقلبه سحّارة حكايات. اسأله عن كل جال، لكن ليكن على كتفك مغامرة ومعك حطب.. واسمع القصص.. في الشعر الشعبي، في الفن، في الإعلام، في حقبة المنتديات التي لم تقرأ بعد، في الثقافة، في الكتابة، في النشر وحوائجه وغمومه، في الرياضة، وفي الأصدقاء هنا وهناك. وفي كل هذا ينفرد عادل بالضحك، بحبه الحقيقي والغامر للسرور والمعنى، وبشكل شخصي ما زالت وستبقى القهقهات الكبيرة مدويةً على نواصي الأيام، ونحن نضحك كلما استعدناها كما لو كنا خرجنا من فيلم عن المعارك، من الرياض لجدة لبيروت للقاهرة لأبوظبي وتونس، من سمرات الشاي والطرب إلى الأوقات المغمورة بالذكريات والندوب، كجوالين معبأة لآخرها! هذا عادل، وخلف كل جملة تلك السرودات والشُّعل، وهذه الكتابة عنه بعض شهادة عن صديقٍ عاش وما زال يمضي نهاره في البريّات، ويختصّ لياليه بمن تبقى من شبيهي العمر. تعيش، أبا أرياف!