عادل الحوشان ينتفض لسادة الرهانات المخذولة..

تضيق الجغرافيا.. تنتصر العزلة.

الذئب ليس جريحاً، إنّما اتساع الفكرة بحجم بلاد تضيق أمامها الجغرافيا ذلك أنّ الطريق المعبّد ليس من شيم البارع. إنّ يقظ الوعي باسل الرؤية وصارم التنفيذ حتى في المصافحة. هذا ما يُخبرني به القلب، بينما العمل النافذ هو أنّ عادل الحوشان بجدارة انتزع من عين الظلام بريقاً ملهماً آمن به جيل بأسره، كنت أحدهم في مطلع التوق للكتابة الفارقة. التقيته على وميض “جسد الثقافة”، حينها يكتب يوميات مذهلة يكاد الشعر أن يستنجد باللغة حتى يتحرر من قبضة سرده فكانت “مساء يصعد الدرج”. وكبر الوقت بيننا ونضجت المحاولات اللازمة. ولأنّه وحش كامن لقفار المعنى وهجس يتقد لنزالات أعلى نسج الاختلاف بأدق ما لديه من “همّ” شامل لا يعرف المؤقت ولا “حماس اللحظة”، فهو بأناة “المثقف العضوي” خرج إلى الساحة بمشروع مؤسسي فاق المرحلة، واجتاز بنا إلى بُعد شجاع كان يلزم الجميع، فوضع السلاح النظيف بيد الرفاق عندما أطلق منصّة “طوى” عالية السجال “الوطني”. لم يتوقف اتقاد المنصّة عند الكتابة؛ بل غامر صاحبها بنفيس الوقت وصحة الجهد، لأنّ البذل حينها كان أقلّ الأدوار، فيما هو يحرث جبال العنت على كثير أصعدة؛ وبمسعى الحريص على المنبر الأجدر بالبقاء والاستمرار راح يحمي القلعة وكنزه الأثير. وحينما انقضّت الأيّام الخفية على “طوى” النابهة وصارت نهباً للصمت، أُجلت محاولة كُبرى للفجر؛ ليعُولَ عادل كلماتنا ويُؤتمن على دلالاتها إلى حين.. إلى “حين” لم يأت. ولا يخلع القيد ـ لم يكن باستطاعته ـ، ولكنّه نمّق المعصمين بتحرير آخر أكثر وضوحاً في الأسماء والعناوين، فقد بعث “طوى” الكتاب والثقافة من لندن في الوقت الذي نجهل فيه اسم دار سعودية واحدة تحمل الجمر في سلال الورد. تلك القيمة اللّاهبة لم تنضب بغلق الشاشة؛ إذ تحولت إلى رصانة الورق لما يفوق خمسة عشر عاماً، فغدت “طوى” الكتاب المنتخب والسؤال المشدوه إلى وضوح طرحه وجسارة حامله. إنّه المسكون برد الاعتبار وانتشال اللائق في مرحلة البين أو فترة الركود في كل شيء، فاستطاع بتدبير شخصي أن ينتفض للرهانات المخذولة، وأن يقود حراكاً جسيم الخطورة على أيّ عتمة، فيمحو عن الإنسان عتمة التدجين وسلطة “التلقين”، ذلك أنّ مشروع “طوى” الجديد استحضار لطموحات افتقرت في زمن ما للدعم والشجاعة. عادل الحوشان.. كان يرى ـ ونحن نشهد ـ قضم المشهد وانحصار الكلمة وتقليص المساحات في الساحة الأولى لبداياته ـ الصحافة بصفتها المنبر البكر ـ؛ ثم تواري الأندية الأدبية، ونُحُول الصوت لسادة “الثمانينيات” إمّا لانزواء بعامل الغربة الداخلية أو لسلوك “التجاهل” ـ كشعور عام ـ، أو لانشغال المبدع بفرادته واستقلاله، فلم تعد الأكتاف المجتمعة مجدية. وتبقى الكتابة منجزاً خاصّاً لا شريك يرفعها. هذا ما يضعنا أمام تجربة سيد “طوى” وحظوظه تُتاخم الممكنات ليشدّ المشهد طيلة سنوات متفوقة بمشروع شرّع الباب كاملاً. كانت الإصدارات رافعة جلية للوعي واقتلاع العادي، وتجرب الترجمة النابغة، وتُكرس كرامة الكلمة. تطول الشهادة في العناوين وخط التنوير الكبير لتلك المرحلة من النشر (2002 ـ 2018) ـ تزيد أو تقلّ في العمر، لكنّها متينة الأثر وعميقة الفعل. ولأنّ الانتصار يأتي وحيداً قُدّر له أن ينشط في أرض لا تَعِد بالكثير، فاعترف سادن “طوى” بأنّ لا بطولة تستحق الخوض في زخم “المال” الجديد ووحش المنافسة القادم بمحددات مسبقة. إنّه نشر العصر الذي يتطلب ذهن التاجر وخُلق السوق المستعر، وهو ما لا يُدرجه ضمن أجنّدته ولا يستصيغه. وقد عززت هذا المنحى العسير اليوم “الآلة” الحديثة للثقافة لتسليع وجوهها وأطرافها، فدعاه سلاح الانسحاب لتجريد ذاته من هذا المعترك؛ إذ حرصه المحتدّ للتغيير يفوق الأدوات القائمة وآثر الانشقاق بإرثه؛ ولتغرب شمس كبيرة أحبتنا أكثر من حمايتنا لها. لقد ألفنا أنّ الثقافة من شدّة سلطتها تهب الفرد مكانته وفوارقه، بينما الآن من فرط تنازع نشرها تُغرّب العلامات وتُزيح ملامح المختلف، وتُؤسس كائنات ونتاجات قوامها التشابه والتطابق. أقول حين ضاقت الجغرافيا على الفكرة انتصرت حيلة العزلة، فالذئب الآن ليس جريحاً، لكن وعورة الغابة صارت أقلّ من عناء شقها وتهذيب تعرجاتها.