عادل الحوشان أسلوب آخر للإخبار.

ليست هذه نتيجة استفتاء، إنما هو إحساس شخصي : عادل الحوشان أنبل من عرفته الساحة الثقافية السعودية من جيلي. بدون شك هناك نبلاء أخرون، لكن عادل الحوشان مختلف في نبله، لأن نبله يعني المروءة التي تجمع في معناها القديم بين النخوة والصدق واحتمال العثرات والإنسانية وكمال الخلق. أي سر يمتلكه عادل الحوشان؟ بدون شك نبل المحتد إذا ما استعرت تعبيرا قديما يعني الشخص كريم الأصل، وشريف النسب. دائما ما يحدثني عن أبيه. إلى حد تخيلت أن كل ما ترسب في عادل الحوشان وتجذّر فيه، وكل عاطفة من عواطفه تجاه الإنسانية، وأكثر من ذلك كل فكرة من أفكاره عن الحق والخير والجمال والعدالة والحرية تشكلت من الساعات التي قضاها مصغيا إلى أبيه. كنت أقول في نفسي يا حظك يا عادل الحوشان بهذا الأب الذي عمر طويلا في مقابل أبي الذي مات وأنا طفل. ما تعلمته من سيرة عادل وأبيه أن الأسرة ليست مجرد مؤسسة اجتماعية، وأن الأبوة ليست علاقة بيولوجية بل هي المختبر الذي يعطي المنتمي إليها عمقا في الخير أو في الشر، في المروءة أو في الدناءة. لا علاقة للأمر هنا بالثروة ولا بالجاه الاجتماعي ولا بالشرف الديني، ولا حتى بالبطولات والإنجازات، بل له علاقة بروح الأسرة الأصيلة التي لا يستطيع أحد التعبير عنها، لكن إن كان المرء حساسا بما فيه الكفاية فحتما سيشعر بها حين يصادق شخصا فريدا في صداقته، وعادل أحد هؤلاء الأصدقاء. لم يكن عادل الحوشان مجرد مثقف يقرأ ويكتب. في الواقع من السهل الآن أن تكون مثقفا فالأمر لا يحتاج إلا أن تستعرض ما قرأت إما شفاها أو كتابة. يمكنك أن تبني مقالا بواسطة برامج الذكاء الاصطناعي، وأن تتحول إلى خزان معلومات من محركات البحث. تكمن الصعوبة في أن تكون مثقفا ذا فعالية لاسيما التفكير النقدي في المجتمع والثقافة. في هذا السياق ساهم مساهمة فاعلة. انتبه عادل الحوشان مبكرا إلى أهمية المنصات الثقافية لاسيما دورها في إلغاء الحواجز الجغرافية، فهي تتيح الوصول السريع إلى المحتوى الثقافي، وإلى جمهور عريض ومتنوع. تمكن من التواصل، وتشجع على الحوار. ويمكن أن تمثل فرصة للمثقفين للكي يفكروا نقديا في الثقافة، وفرصة للموهوبين لإبراز موهبتهم في هذا المجال. لم يهتم بمراكمة المعلومات ولا تبسيطها، ولا تسليعها، بل بنقد الثقافة لأنه يؤمن أن تطور الثقافة يبدأ بنقدها، ومن المنصات الثقافية انتقل إلى النشر حيث ولدت دار طوى. من راقب إصدارات دار طوى يرى أن معيار نشر أي كتاب ليس شهرة مؤلفه. فأغلب الأسماء تكاد تكون غير معروفة، أو أن كتابها هو الأول. وأن الكتب لاسيما الأدبية لا تخضع لأي معيار خارج طبيعة الأدب هو ذاته. أي أن الميار ليس معيارا خارجيا يفرضه الواقع كالحكم الأخلاقي مثلا. وهذا يعني أن الأدب والأديب في حل من أية مسؤولية تجاه الواقع الاجتماعي أو الأخلاقي. وبذلك أصبحت حرية النشر في الدار اللمح الرئيس من ملامح الكتب التي نشرتها. يعرف عادل الحوشان أن تعليق الحكم الأخلاقي في الكتب التي نشرتها طوى لا يعني لا أخلاقية الأدب، بل يعني أخلاقيته؛ لأن الكتاب يكون بما هو عليه الحقل المعرفي أو الإبداعي الذي ينتمي إليه. والمجتمع الذي اعتاد على أن يقدم نفسه كمجتمع حقوق يتكون من الإنسان كفرد، وما كان لهذا أن يحدث لولا النشر بعد اختراع الطباعة حتى أن كونديرا لقب المجتمع الأوروبي بمجتمع الرواية، وأبناؤه بأبنائها. يعرف عادل الحوشان بوصفه مثقفا قبل أن يكون ناشرا أن الفردية تنعش الأدب، وأن الذات الإنسانية فاعل واع ومسؤول. وإصداره ترجمة مذكرات بوبي ساندرز تصب في هذا السياق. فهذه المذكرات ليست مجرد مذكرات، بل صرخة إنسانية وبيان سياسي يهدف إلى كشف الظلم الذي تعرض له من أجل قضية عادلة. كما أن إصداره حكايتي مع العلمانية لإبراهيم شحبي يعني أن الظواهر الاجتماعية لا تنشأ من فراغ. وأنها جزء من الحياة الاجتماعية، وهناك صلة وثيقة بينها وبين حقائق الوجود الإنساني بما فيه من سياسة ومجتمع وأحداث ووقائع القوة والسلطة. هذان الكتابان مجرد كتابين خطرا في بالي وأنا أحتفي بعادل الحوشان وإلا فإن الغالب على إصدارات دار طوى هو تنمية الإنسان، وقدراته إما بقراءة إصداراتها أو دعم الكتاب السعوديين المنسيين. ومن المؤسف أنها توقفت. ومن المهم أن تساعد وزارة الثقافة في إعادتها إلى النشر، وتيسير العقبات التي وقفت ضد استمراراها. بقي فكرة أخيرة، وهي أن عادل الحوشان فنان بالفطرة. ومن يتمتع بروحه لابد من أن يكون كذلك. وروايته مساء يصعد الدرج تستحق قراءة خاصة. فلا مفر من أن أرضخ للحقيقة القائلة بأن إنجاز بعض الأمور يوجب علينا أن نهمل بعضها الآخر