الذئب الذي فرَّ من الجبل وتقمصَّ الربابة.
لست من أولئك الذين يتذكرون تواريخ تعرفهم على أصدقائهم وفي حالة عادل خصوصا كان الوقت الذي سبق معرفتي به يشبه وعدا وربما انتظارا لتجديد لقاء سابق حدث بينما كان أجدادنا القدامى عائدين من سهرة مع الذئاب قبل أن يبتكروا من الأحجار جدرانا . وربما كانت لحظة غير قابلة للتذكر لأنها ليست للنسيان . ما أتذكره أنني هاتفت عادل حوشان بعد أن نشر الفصل الأول من روايته ( مساء يصعد الدرج ) في منتدى طوى منتظرا الفصول التالية بفضول قارىء عثر على نص مكتوب بشكل لا يتصادى مع السائد وبعد عشر سنوات نشر الرواية مطبوعة في دار طوى . ولعل أكثر الإجابات انسجاما مع شخصية عادل للرد على السؤال البدهي الذي يطرحه القارىء الذي لايعرف كاتبها : لماذا استغرقت كتابتها طوال هذه الفترة هو أن عادل يكتب على طريقة بليغ حمدي وهو يلحن أغنية ألف ليلة وليلة ، فهو يكتب بمزاج الفنان الذي لا يراهن على سباق ، ويعمل بهدوء النساج المسكون بصورة السجادة التي يشاهد تفاصيلها الدقيقة في مخيلته . وهو القادم من أرض الشعر إلى مدينة السرد غير عابىء بملاحقة الصورة العابرة بقدر ما يشتغل هناك في عزلته بعيدا عن ميدان المراهنات ، وحفلات التتويج . ولهذا فإن غيابها النسبي عن النقد - قياسا على عدد كبير من الروايات المتزامنة معها والتالية لها - لهو دليل على أنها ليست رواية مرتهنة للحظة العابرة بل هي الرواية والقصيدة الطويلة والموشح الذي لا يكاد ينضب والكتابة المفتوحة على أكثر من أفق لكي تتجدد وتقاوم الزمن . إن الإهداء الذي استهل به عادل روايته كان كافيا لإحداث الدوي الهائل الذي لا يني يسري خلال القراءة حتى الصفحة الأخيرة . ولا أبالغ إن قلت بأنه واحدا من بين الإهداءات النادرة التي تنتابني القشعريرة كما حدثت للمرة الأولى كلما قرأته . فلم يكن توصيفا صادما بل مشهدا سينمائيا حيا وصاعقا سيكون وحده كافيا لتبرير الوقت الذي استغرقته الرواية . لطالما خطر لي هذا السؤال كلما تذكرت الإهداء : ترى ما الموسيقى ( أعني الموسيقى القادمة من أعماق عادل ) تلك التي كان يصغي إليها وهو يكتب إهداء روايته ؟! هذا هو عادل القادم من عالم الشعر كالذئب الذي فر من الجبل وتقمص الربابة ثم فر ثانية واختبأ في الجبل مجددا . أن تدنو من عادل حوشان يعني أن تكون محاطا بالبحار يحمل بضع مجاديف كل مجداف يحمل بوصلة تزفك نحو ضفة أخرى لتلتقي بالذئب (( يقضي أيامه الأخيرة؛ منتظراً انحدارَ الوعول من أعالي الجبال ليُطعِمها اعتذاره)) ، وبالراعي الذي يفتح الناي من كل ثقوبه ويرسل زفيره الحارق محاولا أن يستعيد الأب الذي سافر إلى المدينة البعيدة تاركا رقصته الأخيرة في باحة البيت . لأنفاسه التي تتلاطم في أرجاء البيت ، للباب الذي يتركه ابنه مشرعا لعل وعسى !! هل قرأتموه وهو ينعاه بكلمات مقتضبة مشحونة بالجزع وغصة اليتم : (( أبي في ذمة الله. يا لهول فقد من تحيا وتموت به. وداعاً أبي. وداعاً لأبوتك وأخوتك وصداقتك. ويالها من وحشةٍ مقبلة)) . وفي موقع آخر يقول :(( لماذا يا أبي؟ ليس من عادتك أن ترحل للأبد.؟؟ )) أهو العتاب أم الطلقة التي يتمنى الابن أن يطلقها الثاكل على الموتى فيعودوا من هناك ؟! وفي أكثر من مكان نجد عادل، في الاستهلال الذي كتبه إكتور فاسيولينسي ليهودا عميحاي (( ولأجل حب الذكرى أحمل فوق وجهي وجه أبي )). وأكاد أسمع نحيب الأبن عند كل الذين ماتوا بعده وكان آخرهم أحمد أبو دهمان فقد كتب تعليقا على خبر رحيله بكلمة واحدة ( الله ) !! لحظة أن قرأتها لاحت لي تلك اللوحة الشهيرة ( الصرخة ) للفنان مونش . كان دوي الكلمة يلوب كعاصفة عمودية تدوم عاليا نحو سماء نائية ويتكاثر كما تتكاثر الصور في غرفة مشيدة من المرايا وهي الدمعة المتحجرة التي انفجرت وهو يرجّع مع الشاعر (( إن الشجى يبعث الشجى فدعني فهدا كله قبر مالك )) . لكأنه الذي ورث الحصة الأكبر من ندم آدم . عادل الذي لم يتبق منه سوى الوحشة المقبلة . لا لم تنج من الوحشة ياعادل ؟ ولكن تعال نقتسم الوحشة ونتساءل : أينا الذي سوف سوف يجد نفسه على مسافة عشرين دقيقة من رحلته الأخيرة و(( هل هناك من الوقت ما يكفي قبل قبضة الوجود الهائلة والأبدية ))؟! هذا هو عادل الذي يجيء متنكرا على هيئة ملتبسة يخيل لك بملامحه السينمائية أنه أنتوني كوين ليتفقد أصدقاءه الغرباء ويلقي هديل الحمام على نوافذهم ويضع على شرفاتهم قمرا ودالية عنب ليتصالحوا مع الأعباء كلما أثخنتهم المدن المعدنية . هل تكفي رواية واحدة ياعادل ؟! إن كانت تكفيك فإنها لا تكفينا والآن تعالوا لنضع أيدينا في جيوب الناشر عادل لنرى أن ما نعثر عليه ليس دم الكتاب كما يفعل معظم الناشرين القادمين بمكائن الصرف بل سوف نجد المثقف الذي يعمل وفقا لقانونه الخاص ، يقول : (( بعض دور النشر “الشقيقة” تضرب أسعار بعض كتبها في 10. ارفض الاستغلال حتى وإن كان الكتاب ثميناً في محتواه لأنه استغلال . لن أسهب هنا لكنني أكتفي بالقول بأنه يراهن على خسارته وربما كان يحبها كما كان محمد الماغوط يحب خسائره - غير عابىء بالخروج من الطابور . بقي أن أومىء إيماءة صغيرة لفكرة كتاب ( 20 دقيقة ) التي سأبتسر منها قوله ذات لقاء (( …. لذا فضلت أن أنفض رعب الفكرة إلى رؤوس الأصدقاء لعلي أتخلص من هذا الفزع )) هل تلبسته في الليلة السابقة قصيدة هيولان عن الموت أم أنه هو من أضاء المصباح الذي ترك سطرا من الضوء تحت حاشية الباب ؟! أغلق عادل ذات مرة منتدى طوى ، واقتحم سوق النشر بدار طوى ثم انسحب لكن قبسا من تلك النار سوف يبقى في كل بيت .