شهادة من داخل البيت ..الأب كما تراه ابنته .

ويبقى الأب، المأوى، والظِلّ ويبقى الأب أوّل قدوةٍ، أوّل بطل.. وأوّل حُبٍّ. هو الذي لم أَسرِ يومًا في طريق، إلا ورأيته سبقني.. يمهّده لي.. وهو الذي وقف بجانبي يوم ارتبكت أمام القصيدة، رفع رأسي، وقال: “أنتِ قدّها… وأنا أبو نون.” ومن يومها، صرتُ أعرف أن الشعرَ طريقٌ نمشيه معًا، كلٌّ يحمل تُربته في يده، ويزرع ما يستطيع. أبي، رفيقي في دهشة الهنود الحمر، نقرأ عنهم كما لو أننا نبحث عن قبيلتنا الضائعة، نتجادل عن أساطيرهم، ونضحك حين نكتشف أننا نشبههم أكثر مما نظنّ. هو أبي، منذ صغري ربّاني على الموسيقى، كنتُ أتمتم معه أغاني فيروز بصوتٍ خجول، أحفظ اللازمة قبله، وأنتظر أن يرفع هو النغمة لألحق بها. كبرنا… ولم تشيخ تلك العادة، صرنا نغنّي معًا، نكمّل جُمل بعضنا، ونلتقط اللحن كأنّه ميراثنا الخفيّ علّمني إياه وهو يفتح لنا الصباح على أغنيةٍ نعرفها قبل أن تبدأ. نغنّي معًا، نلتقط اللحن من بعضنا كأن الصوت واحد، ولا يهم إن سبق أحدنا الآخر، المهم أنّ الضحكة كانت دائمًا أعلى من كل موسيقى. كُنّا نرفع صوتَنا معاً، لا نهتم إن خرج اللحن عن الطريق، المهم أن نصل، أن نضحك، أن نغني، أن نحيا في ذلك الممرّ القصير بين كلمةٍ وكلمة. وهو أبي، ذلك الحضور الذي يسبقني بخطوات، ويَمشي بقلبه قُربي، يحرس الطريق كأني أوّل العابرين، ويلتقط خوفي قبل أن يلوّح لي. أبي، أماني وقت خوفي، وعُكّازي حين يثقل الطريق، وسندي الذي لا يتعب، اليد التي تمتدّ قبل أن أطلب، والقلب الذي يعرف حزني حتى لو مرّ بي خفيفًا. هو الثبات الذي أستند إليه، والطمأنينة التي تهدأ عندها كل العواصف، وكأن العمر كله مكانٌ صغيرٌ أحتمي فيه تحت اسمه.. هذا بعض ما يشبهه، وبعض ما ورثتُه منه، وبعض ما أكتبه اليوم لأقول له: لقد كنت - وما زلت- قصيدتي التي لن تنتهي.