حين نقترب من وصفِ الشعراءِ.

فرقٌ بين أن نشاهد الطبيعة متخيَّلةً في أبيات الشعراء وكلام الأدباء، وبين أن نحاول أن نعيش في أجوائها فيقترب فهمنا للوصف. وبالنسبة لي، وإن كانت أبيات الشعر حاملةً للخيال إلى آفاقٍ أوسع، فإن الوصف الواقعي حين يُلامَس بمسحةٍ فنية يكون أجمل بكثير من محاولة إقناع الشاعر لنا بالطيران من دون جناحين. كان من الأبيات التي أطربتني منذ زمنٍ بعيد قولُ الشاعر: وإنِّي لَتَعْرُوني لِذِكْراكِ هَزَّةٌ كما انتفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ لعلّ ذلك الشاعر شاهد انتفاضة الطير أثناء هطول المطر، فقال بيته الشهير. أمّا أنا، فقد وضعتُ قليلًا من الماء في يدي، وجعلته يتسرّب بلطفٍ شديد على هيئة نقاطٍ فوق جسد طائرٍ صغير، فرأيت كيف تنتفض الطيور، واقتربتُ من وصف قلب ذلك العاشق الولهان. صحيحٌ أنّني حينها لم أرَ كلَّ المعنى؛ فقد رأيتُ خفقان جناحه، ولم ألمس شعوره حين تساقطت عليه حبّات الماء. فكيف بقلب ذلك العاشق؟ ومثلها حين أخرج إلى البر، وأصعد أعلى إحدى الجبال، أمرُّ في طريقي ببعض مجاري المياه، ويذهلني مشهد النباتات، وبعضها مزهرٌ بين أصفر وأبيض وأحمر، تكتسي بها بيئة الجبل كامل أناقتها، فأفهم معنى الشاعر قسطاكي الحمصي حين قال: تحت الجبال خمائل وغياض وعلى الجبال حدائق ورياض متع لحاظك بالطبيعة إنها نِعَمُ الزمان ومالها أعواض وحين أقتعد صخرةً من صخوره، وينفتح أمامي فضاءٌ أوسع أعلى وأسفل ذلك المكان المرتفع قليلًا، أستوعب شعور ابن خفاجة الشاعر الأندلسي، الذي غلب على شعره وصف الطبيعة، وهو يصف الجبل كأنّه إنسانٌ عاصر الدنيا بكل تحوّلاتها، فيقول: وَحَتّى مَتى أَرعى الكَواكِبَ ساهِرًا فَمِن طالِعٍ أُخرى اللَيالي وَغارِبِ للطبيعة، بمختلف كائناتها، أسماءٌ كثيرة لدى العرب، غير أنّ الشعر وأقلام الأدباء أضفوا عليها بحسّهم ما قرّبها من الشعور والوجدان. يقول الأمير بدر بن عبدالمحسن رحمه الله: من الجفا والصد .. يكفيني اذراع لا جف نهر الحب ماتت ضفافه املي يدك رمل وترى هذي القاع ومدي النظر..تدرين وش هي المسافه ولنرَ كيف منح الأمير بدر بن عبدالمحسن للقاع معنىً شاعريًا يستحق التأمّل؛ فحين نقرأ أوصاف الشعراء تقفز بنا المخيّلة إلى مسافةٍ أبعد، وهذا صحيح، غير أنّ رؤية ما عنوه في نصوصهم رأيَ العين تجعلنا نتحسّس المعنى بعمق، وتعلّمنا كيف نستلهم الدلالة من أبسط الأشياء التي تدور حولنا.