نافذةٌ بِطُولِ عام.
على وتيرة واحدة يهطل المطر منذ وقت. لا صوت في المنطقة غير صوت الهطول. لعلها تعيشُ اللحظةَ مثلي في توحيد إنصاتها للمطر. عُلِّقَت الدراسةُ اليوم، في منتصف ديسمبر، وهو دخولٌ مطري بامتياز! فلا أبواب الصباح ترتطم احتجاجا على المدرسة ومواعيدها. لا باصات تجرحُ هيبة المطر بإزعاجها، ولا صغارا يبكون للأسباب نفسها التي تنتهي تماما في الإجازات... علّقوا الدراسة، وهدأتْ المنطقةُ، وأخيرا تحدَّث المطرُ وحدَهُ، وأنا ما زلتُ معلَّقَةً بدراستي ولا أتحدث، أصِلُ الليلَ بالنهار لتخطّي مرحلةٍ ما، عنقُ الزجاجة عنوان سكني منذ أعوام، لكنّ الحياة فِعلٌ غير إرادي... أزمةُ البقاءِ ما زالت حتميَّة، والأنفاسُ اللاهثة تنبِّهُها أيُّ سعادة ضئيلة، والصوت سعادة. الصوت سعادةٌ قصوى وإنْ جاء صرفا دون كلمة واحدة؛ ذلك أنه يبلّ مجرى الكلام كله، يغسله بمهلِ غيمةٍ تتروَّى قبل مُضيِّها. السماءُ تغسل غصّاتٍ تترى، فغصَّةُ العام التي ما زالت عالقة في الحنجرة؛ يشفيها القطْرُ، وإمعانُ النظر في وجهٍ غائبٍ غصَّةٌ أعمق، والإمعان في إخلاصِ ظَهْرِه لعينين تنتظران قد تجاوَزَ الغصةَ كثيرا، صار طعنةً في جهاز النطق وفي الكبد والرئة. علةٌ لا يسهل رصدها ولا البرء منها، وصعقةٌ كهربائية تكاد أن تُشعِل المكانَ بمجردِ ذكْرٍ عابرٍ للاسم... والكتابة عن ذلك غصة طويلة المدى، فإحباط الحياة لا يتوقف، ولن يوقِفَنا إحباطُها لأنَّ الحياة جميلة، لو كان لها شعار فسيكون كذلك، محالٌ أن تفسِدَ روعتَها الغصةُ، بل ممكن جدا… فأنَّى يجري الكلام بعد كل هذا؟ تأبى الطبيعة إلا أن تكون أُمًّا. حتى تصير الغصات في حكم خبرِ كانَ، نذكر وننسى، نفقد القدرة على الكلام عنها، أو الرغبة، فنخون ذكرياتنا وأعراضها المزمنة. مرارةُ العام تمحوها أصوات المطر، ولعلها حقيقة الشتاء... ما كان عصيّا على النسيان، وما برَّر الحقد والضغينة؛ يشفع له الهطول حتما في هذه اللحظة، لأن المطر أتى ليتفاوض، جاء طقسَ تطهيرٍ رباني، مُعلِّم الرحمة الذي يتحدث بلا كلمات أقبلَ يجرف برقّتهِ ما علق في الحنجرة، يدحرجه إلى المكبّ بلا ضجيج... في فقه اللغة للثعالبي أسماء وصِفاتٌ للظاهرة، لكنّ وقعها على النفس غير مرصود. ها أنا أنصت منذ ساعتين إلى الهطول ولم تحضرني حينها كلمة واحدة، سيمفونية أصوات تصحبها ريحٌ وتسكن، يتفاعل معها الورق حفيفا ثم يملّ، تتصاعد الأصواتُ وتتباطأ بأخرى لئلا يُنسى دور الإسفلت في الخلفية الصوتية، وتلك جمالية أخرى تعيشها السيارات كأنها تشق قلب الغيوم الممطرة. كل شيء يقع عليه المطر محسوبٌ كافتتاحيات عروض المواسم. نافذتي مشرعة، وأشعة الشمس كفّت أخيرا، لا شيء غير النور وبياضُ وجْهِ المطر فيما يفعله بقلبي. البرودةُ ما تزال محتملة، والأكوابُ الدافئة شِعْرُ اللحظةِ ووحيها الصادق. حتى صبَّتْ في يدي الكتابة عنها. ربما نسي الثعالبي رصد ذلك، فأهمل ملاحقةَ ما يدل على الحالة من مفردات. أمومية اللغة بيتُ عزٍّ لا يبلى، وكم تعوزني الكلمات… التاسعةُ صباحا منسلّةٌ من صفاتها الأساسية، كأنها لوحة لم تُرسم بعد، أضع رأسي على حافة أريكتي المفضلة، وأتأمل السحب التي طال مكثها عند النافذة، لا شيء يتحرك باتجاه الزمن الخطي المعتاد، كأنّ عقارب الساعة تكذب. كأنني في حلم ولا شيء بعده. مساحة الدعاء واسعة لساعات. السماء أرسلت سُحبها لتسمع. مخلوقٌ يحنّ إلى مخلوق وينتمي. مخلوق يحنو على مخلوق… وشيجةُ الحياة صِلةٌ عذبة لا يدركها ذلك الظَّهرُ الذي تخلّى مختارًا، وقد كانت الكلمات كلها طوع يديه، وسمعي متاح حتى لما لا يُقال… قد كان له صوت وحسّ، لكنَّ حدَّ استعماله للكلمات غايةٌ وجرحٌ، يمكن أن تتحول اللغة أيضا إلى سكين في اليد الخاطئة. والسماء تسمع كل هذا، ترسل سحبها لتحنو، لتنصت إلى جرح يتخفّى في الكبد. تدرك الكائناتُ ما في الضعف الآدميّ من غصّاتٍ وتعب، فتقترب بطريقتها وتتحدث كيفما تشاء، وعلى الطرف الآخر انتقاء الحاسة المناسبة لها للتواصل. سينجح كل ذي حسّ في التجربة، سينجح رغما عما أدى إليه تواصله مع الكائنات المشابهة له؛ تلك الكائنات المتورّمة باللغة، التي تختار ما تريده من التواصل ثم لا تلتفت أبدا. ملائكيٌّ هذا الوقت… جدا، لا ينبغي إهداره على أصواتٍ أخرى، أصوات مفقود فيها أملٌ كبير ذكراه تحزُّ دما ولحما. ميؤوس ممن يفقد روحَه في ضجةِ هوامش بائسة. الروحانيةُ مُبتغى عالٍ، وها أنا أستمع أيضا وأمحو الكثير كما يفعل القطْر. الأرض الآن مزدحمة بالملائكة، مع كل قطرةٍ مَلَك، ولكل دعوة رصيدُ إجابة، تريد الروح أن تبتلَّ أيضا. هذا حظُّ قلبٍ يطلب الإيمان في كل فرصة، يريد التطلع إلى الآفاقٍ مغمِضا حواسه الأخرى ليتأمل ويأمل، مستشعرا وجود ربّ رحيم في كل شيء، رب قد قال: ﴿إِنَّني مَعَكُما أَسمَعُ وَأَرى﴾. يكفُّ الكلامُ غير الضروري، كل الكلام الذي لا يفي مواعيد السماء قدرًا؛ يتضاءل منزويا أمام مواساة الهطول وحنان السماء. منذ ساعتين ولا كلمة واحدة تمرّ في عقلي، بل صلاةُ سمعٍ طويلة، هذا وقت الحاسة، فلم يرغمني شيء على الاستماع له منذ عام تقريبا، كنتُ أتكلم قليلا أو أفكر وأكتب، أهرب من أصوات شتى تلاحق صمتي المدَّعى، لم تكن نوافذ سمعي مفتوحة لأحد، وحظها من الندم كاملا حين فتحتها، اللحظة الخاطئة نصيبي من الوجع المزمن، ورهان (الشخص الخطأ) أقسى من تأنيب الضمير، ظلُّهُ شبحُ أوقاتي، وقد أغلقتُ الباب دون ذلك لأستعيد مشيتي في هذا العالم... لأستكمل خطوةً معلَّقة وأمضي. الزمن يمرّ، والسماء وفية لي أكثر من نفسي. اليوم أبواب سمعي مفتوحة رغما عني، مشرعة تحاكي السماء، وماء الرحمة ما زال منهمرا على وتيرة واحدة... أكاد أسمعه قطرة قطرة، مصحوبة بالسكينة وبكلام طويل يبلُّ ريقي، يغسل مجرى الكلام والنَّفَس على أمل تذوّقِ طعم أيام قادمة؛ حيث يظل الأمل مواساة مستمرة، والسماء تعرف ذلك، وسنّتها جارية وعلى وتيرة واحدة…