جماليات المكان ومعالم القرية الكونية.

يرى الفيلسوف غاستون باشلار أن المكان في الأدب عموما وفي الشعر بشكل خاص، عالم تنمو فيه الصور والأماكن وتشكل علاقة ودية ممتدة من النص إلى مخيلة الأدباء. ببصيرة باشلار العميقة في الفلسفة ونفسه الثرية بحس الاكتشاف كتب بحميمية وشاعرية في وصف تأثير المكان المتخيل في عقل الكاتب وعن وعي المبدعين بالعالم وإدراكهم لجمال المجاز وحقيقته وانعكاس الخيال وابجديات التعبير ومصادرها العاطفية والذهنية ومن ضمنها الذكريات. المتحف الكبير للظاهرة الجمالية الإنسانية وتصنيف شخصيات الأعمال بحسب طبيعة المكان، كثير من الصور الشعرية تخرج من الماء والأرض والبيت والقواقع والأعشاش والأركان والأشياء المتناهية في الصغر ومعنى الاستدارة في منح الدفء. صوّر المكان كحضن أم وحصن أب. في معالم القرية الكونية كان د. سعود الصاعدي أكثر فصاحة وأعمق استنباطا ليس على المستوى الشعري والأمثلة المطروحة فقط بل على المستوى اللغوي والبلاغي للمكان وفي كتابته أيضا كانت البلاغة حاضرة. النموذج عند القرية الكونية كان نموذجا مصغرا (أم القرى) تتحول فيه القرية العالمية إلى آية كبرى من خلال الاستدلال بالآيات القرآنية واستنباط العلاقة الثلاثية بين الإنسان والبيان والمكان أي بمعنى أدق بين العالم الشعوري واللسان البياني بجميع أنواعه والجمال المكاني في خمسة قوالب خاصة بالمكان؛ الجبل، الوادي، البئر، الشجرة والمسجد. هذا النظام الكوني الصغير برحابه الشاسعة في ذهن المبدع العربي المسلم والعلاقة المتوازية بين الإنسان البياني كما وصفه بالتدرج التكويني لكلا الحالتين. التقاطعات هنا بين الكتابين تكمن في طريقة تناول هذا الجمال الكوني من رؤى مختلفة تماما عن بعضها، من حيث النماذج التي بحثا فيها والمبحث الشعوري واللغوي والفلسفي، حيث اهتم باشلار بالقيمة الشعورية للمكان وفلسفته وفقا للعاطفة ، بينما انتبه الصاعدي لشغف العربي بالفصاحة والقيمة اللغوية للأشياء وتعلق المسلم بالموروث كجزء من أصالته وارتباطه العميق بالمكان، ونقل كلاهما حالة الأيقونة الخيالية إلى حالة التمثل الإدراكية الذهنية في سياقات مختلفة مُثرية تشترك في جوهر واحد .