رجــــل الغابــــة!
رآها في هيئة ظبية، فوقعت في نفسه، وشعر بوجبة حجر ألقيت في نبعه السحيق. بدأ يتفهّم منطق حيوانات الغابة في الحرص على الحياة، وفطن ولأول مرة إلى رائحته الكريهة التي صبغت جسده بشحم الشواء، وإلى أسماله البالية التي بالكاد تستر عورته. شعر بالحياء وراح يركض إلى النهر، وللمرة الأولى رأى صورة وجهه على سطح الماء، فراعه ما رأى. أخذ يتأمّل ملامحه وشرع في تتبّع بقية جسده فوقع بصره على أظلافه، وتحسس إبطيه. وبعد عملية فحص كامل لهذا الجسد الوحشي الذي ظل رفيقه وهو يطارد الحيوانات ويلقيها في الشَّرَك رجع إلى مكمنه حزينا، متأملا، وخطر في هاجسه أن هذا الاكتشاف أعظم من اكتشافه الأول يوم قدح حجرين فلمعت شرارة النار الأولى. صحيح أنه نما وترعرع وسمن وصار قوي البنية بعد اكتشاف النار، لكنه الآن يشعر بضآلة هذا الجسد وقبحه، يشعر أنه في حاجة إلى الجمال الذي رأى. هجس في نفسه كيف أعيد ترميم هذا الجسد من جديد، كيف أصقله ليكون مرتعا لرفيقته الجديدة في الغابة. قرر أن يقتصد في صيد الحيوانات، وأن يكتفي بصيد الأسماك، حتى تزول رائحة الشحوم العالقة في بدنه، وحين تذكر الرائحة خطرت في باله الزهور والأعشاب البرية، فاكتشف تركيبة العطر من مجموعة من الروائح، ثم التفت إلى أظلافه وراح يبريها ظلفا ظلفا، وإلى شعره المنكوش فأعاد تشذيبه وتسريحه، وراح يتأنّق إلى أن بدا في عين الشمس صقيلا لامعا. ظل على هذه الحال مدة شهرين أو ثلاثة، يغتسل كل يوم ويأكل بنظام، ويتطيّب بأنواع العطور المختلفة التي صنعها بنفسه. في الأدغال كانت الحيوانات تتهامس فيما بينها ماذا حدث لرجل الغابة؟ ومن الذي غيّر طريقته في التعامل معها حتى منحها الأمان بلا شروط؟ وكيف صار بهذه الهيئة الأنيقة؟ فقررت أن تهبه من جلودها أنواعا من الألبسة للصيف والشتاء، وكذلك فعلت الطيور حين منحته أجمل الريش ليصنع منه الأرائك والوسائد، فاستحالت الغابة في عينيه إلى مشهد جمالي بديع. شعر حينها أن هذا أوان لقائه بظبيته النافرة، بتلك المرأة التي انبثقت له من الطبيعة في صورة لم ير أجمل منها على الإطلاق حتى في أحلامه التي تومض له في حلكة الليل. وهناك، في هضبة مرتفعة، التقى رفيقته وزفّ إليها في عريش تتدلّى منه عناقيد العنب. في المساء وفيما هما يتناجيان بحب، قال لها بامتنان بالغ: حين عرفتك تعرّفت على نفسي، واكتشفت العالم من جديد!