وميض السينما..

حين تُطفأ الأنوار وتُنار الأدوار.

في عالم اليوم الذي تزدحم فيه أجندات العام بالمهرجانات السينمائية، وتتعدد فيها المنصات والسجادات الحمراء، يظل السؤال الجوهري قائماً: ما الذي يتبقى حين ينتهي الحفل؟ الحقيقة أن المهرجانات ليست سوى أوعية، بينما يظل الفيلم هو الجوهر. وفي تلك اللحظة السحرية التي تُطفأ فيها أنوار الصالة، يبدأ “الومض السينمائي” الحقيقي، حيث تتوقف لغة الكلام وتبدأ لغة الصورة في تنوير الأدوار والقيم والمعاني. تعدد المحافل ووحدة السينما تتوزع المهرجانات بين دولية كبرى، ومتخصصة، ومستقلة، لكن الفيلم يظل هو البطل الذي يتشكل في قوالب متنوعة: من الأفلام الروائية الطويلة (Feature Films)، والأفلام الوثائقية (Documentaries)، إلى الأفلام القصيرة (Short Films). ومع تسارع إيقاع الحياة، برزت الأفلام القصيرة جداً (Micro-shorts) أو “سينما الومضة”، التي تتحدى المبدع في تكثيف رؤيته في دقائق معدودة، لتثبت أن دور الفيلم لا يُقاس بطوله، بل بعمق أثره في وجدان المتلقي. لغة الصورة: بلاغة بلا كلمات السينما في جوهرها هي “فن الرؤية” حيث تُنار الأدوار من خلال أنواع الصور؛ فبين الصورة الواقعية (Realistic Image) التي تنقل نبض الشارع، والصورة التعبيرية (Expressionistic Image) التي تعكس صراعات الإنسان الداخلية، والصورة الرمزية (Symbolic Image) التي تمنح المشاهد مفاتيح التأويل، تتشكل لغة عالمية تتجاوز الحدود. هذه الصور هي في الحقيقة “كلمات” بصرية؛ تبدأ من الكلمة المكتوبة (Script)، وتنساب في الكلمة المنطوقة (Dialogue)، لتصل إلى ذروتها في الكلمة الضمنية (Subtext) التي تُقال بالصمت والحركة والضوء. من المعنى إلى القيمة: استعادة الدور الإنساني حين يشاهد الجمهور فيلماً، فهو لا يتابع أحداثاً فحسب، بل يبحث عن المعنى. يتدرج هذا البحث من المعنى الظاهري (Explicit Meaning) إلى المعنى الضمني (Implicit Meaning)، وصولاً إلى المعنى الفلسفي (Philosophical Meaning) الذي يعيد مساءلة علاقتنا بالعالم. من هنا تنبثق القيمة؛ حيث تتحول السينما من أداة للترفيه إلى منارة تُضيء القيم الجمالية (Aesthetic Values)، وتُرسخ القيم الإنسانية (Humanitarian Values)، وتحمي القيم الثقافية (Cultural Values) التي تحفظ كينونة الشعوب. نصائح لجيل الومض الجديد إلى كل شاب يحمل كاميرا ويرنو نحو الشاشة الكبيرة، إليك هذه الركائز لتفعيل “دورك” السينمائي: * آمن بالومضة: ابدأ بالأفلام القصيرة جداً؛ ففي التكثيف تظهر عبقريتك في القبض على جوهر المعنى. * اجعل الصورة هي “البطل”: تذكر أن كل كادر هو كلمة، وكل إضاءة هي شعور؛ فلا تستهلك الحوار فيما تستطيع الصورة قوله. * المحلية هي بوابتك: ابحث عن قصص بيئتك، فكلما كنت صادقاً مع هويتك، وجد العالم فيك “دوراً” فريداً لا يشبه غيره. * تجاوز عائق الإمكانيات: الفكرة المبتكرة هي التي تصنع الفيلم لا الكاميرا؛ فالسينما هي فن العقل قبل أن تكون فن التكنولوجيا. * أخلص لفيلمك لا للمهرجان: لا تصنع فيلماً لتنال جائزة، بل اصنع فيلماً ليؤدي “دوراً” في تنوير عقل أو لمس قلب؛ حينها ستطاردك المهرجانات أينما كنت. في نهاية المطاف، ليست المهرجانات إلا محطات عابرة على رصيف التاريخ، أما الفيلم فهو القطار الذي لا يتوقف. وحين تُطفأ الأنوار في الصالة، لا يبدأ العرض على الشاشة فحسب، بل يبدأ في وجداننا؛ هناك حيث تُنار الأدوار المنسية، وتُستعاد القيم المهدرة. إن الومض السينمائي الحقيقي ليس بريقاً يخطف الأبصار للحظات، بل هو تلك الشرارة التي تشتعل داخل المشاهد، لتُضيء عتمة فكره وتدفعه ليعيد اكتشاف نفسه والعالم. السينما باقية.. لأن الضوء الذي يتركه الفيلم الصادق لا ينطفئ حتى لو انتهى العرض وغادر الجميع.