رئيس اتحاد الادباء في العراق الشاعر عارف الساعدي:
الظهور في “المعلّقة” كان من أكثر التجارب حرجًا في مسيرتي.
قال الشاعر الدكتور عارف الساعدي، الرئيس المنتخب لاتحاد الأدباء والكتّاب في العراق، أن الاتحاد يقف اليوم على عتبة مرحلة جديدة بعد أن تخلص من إرث «الهيمنة الأيديولوجية» التي أثّرت في مساره سنوات طويلة، مؤكدًا أن الإبداع وحده أصبح بوصلته الرئيسة. هذا التصور يفتح الباب لفهم رؤيته في إدارة مؤسسة ثقافية تأسست قبل أكثر من ستين عامًا على يد الشاعر العربي الكبير الجواهري. وفي هذا الحوار الخاص مع «اليمامة» يستعرض الساعدي التحولات التي مرّ بها مشروعه الشعري تحت تأثير الأحداث الكبرى في العراق، ويشرح خلفيات تجربته في «قصائد الحاسوب» وعلاقته بالكتابة الورقية. ويتوقف عند تفاعل عمله النقدي مع نصه الشعري، ورؤيته لمساهمات الشعراء الكرد والتركمان في المدونة العربية. ويختتم الساعدي حواره برسالة موجّهة إلى جيل الشباب، يؤكد فيها أن الإبداع لا يقوم على الفرد وحده، بل على مسار مشترك تتكامل فيه الخبرات والتجارب. * من موقعك الجديد كرئيس لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق، كيف ترى مكانة اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق اليوم، وما مدى تأثيره الفعلي في المشهد الثقافي العربي عمومًا، والعراقي على نحو خاص؟ - لا شك أن لهذا الاتحاد عمقاً تاريخيا فقد تأسس منذ أكثر من ستين عاما على يد شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، وبقي حتى هذه اللحظة متواصلا مع الأدباء والكتاب راعياً لهم ومنسقاً لفعالياتهم ومنظما فاعلاً للمؤتمرات والمهرجانات الثقافية والأدبية، وحين ننظر إلى اتحاد الأدباء الآن فإننا قد تجاوزنا مرحلة شائكة مر بها هذا الاتحاد، وهي مرحلة الهيمنة الأيديولوجية على المؤسسة، والصراع الذي دار بين الشيوعيين والبعثيين، والهيمنة الأيديولوجية بلا شك توثر على نوعية الابداع وتعتمد الولاءات إلى حد ما في عملها، ولكن في هذه المرحلة فما من أيديولوجية للاتحاد سوى الإبداع الذي نسعى له بكل جدية . * ما برأيك ما هي أبرز التحديات التي تواجه الاتحاد في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في العراق والعالم العربي؟ - لا اعتقد أن هناك تحدياً يواجه الاتحاد أكبر من تحدي الإبداع والجمال ذاتهما؛ فالمؤسسة معنية بالإبداع ورعايته، وفي الوقت نفسه معنية بحقوق الأعضاء والدفاع عنهم ورعايتهم، والأعضاء بلا شك متفاوتون في إبداعهم ولكنهم متساوون في الحقوق، وهنا تكمن المشكلة في قضية الفرز جمالياً وإيداعيا، لان الانتماء وحده لا يحقق شرط الإبداع ما لم يلحق به حضور إبداعي وثقافي، إلا أن هذا الحضور الإبداعي والثقافي أصبح يتقلص للأسف؛ فالنوع الذي نبحث عنه بدأ يزحف عليه الكم الموجود في الاتحاد، وأعتقد هذا اكبر تحد يواجه الاتحاد. ن جزءًا من عملنا هو الدفاع عن حقوق الأدباء ومكتسباتهم أو التدخل في حل قضاياهم أمام المؤسسات الحكومية أو الخاصة قدر ما يمنحه القانون لنا. *كيف أثرت الأحداث السياسية والاجتماعية في العراق، مثل الحروب والتغييرات الثقافية، على تطور أسلوبك الشعري منذ ديوانك الأول “رحلة بلا لون” عام 1999 وحتى أعمالك الأحدث؟ -أعتقد أن النقاد المتابعين لما أكتب أكثر قدرة على تشخيص التحولات الشعرية في تجربتي ، وما كتبه الناقد فاضل ثامر في كتابه رهانات شعراء الحداثة عن تجربتي يعد فحصاً دقيقا عن تلك التحولات التي رصدها من الغنائية إلى الذاتية إلى الوجودية إلى الدرامية ، وانا أميل كثيرا لهذا التشخيص وبلا شك فإن للأحداث التاريخية والأزمات الكبرى يداً كبيرة تدخل في تحولاتي الشعرية ، فالقصائد التي كتبت ايام التسعينات في زمن الحصار لها سمتها الخاصة ومحدداتها ، والنصوص التي كتبت بعد ٢٠٠٣ اتخذت مسارب متعددة دينية او غير دينية، كل تلك الاحداث دخلت على نمو القصيدة وتطورها وتوسع الرؤيا وتجددها ، حيث كمن التحول الدقيق بالانتقال من الهم البلاغي والأسلوبي واللعب اللغوي إلى الهم الدلالي والخروج برؤيا ناضجة تدين الواقع بدون مباشرة وتمس الاشياء مساً خفيفا ، لأن الشعر يجرحه الوضوح والمباشرة *في ضوء تجاربك مثل “قصائد الحاسوب”، ما هي التحديات التي واجهتها في دمج العناصر الحديثة والتكنولوجية مع الشعر التقليدي، وكيف ساهمت هذه في تشكيل مفهوم “الصدمة الناعمة” في نصوصك؟ -قصائد الحاسوب تجربة جديدة كما أزعم ، فهي نصوص تدين الواقع المعاش وتبكي على أطلال الماضي القريب الذي افتقدنا فيه حرارة التواصل واللقاء ، لم تكتب هذه النصوص بطريقة تقليدية إنما على نمط الشعر الحر الموزون ، ومع هذا فإن الموضوع كان متقدما على البناء والبلاغة التي يتوسلها الشاعر ، وربما من تعود على نصوص عارف الساعدي ذات الجرس العالي وتشكيل الصور الغريبة والصادمة سوف لا يتفاعل مع هذه النصوص في البداية لأنها تتحدث عن يوميات مهملة وهامشية استدعت ان تكون لها بلاغة خاصة قريبة من طبيعة الموضوع ، لهذا فأنا أعتقد أن قصائد الحاسوب شهادة وادانة لواقعنا المعاش وهي نصوص رثاء لحياتنا التي نعيشها والتي تسيطر وتتحكم بنا دون أن نحرك شيئا، بل بدأنا نفقد حرارة تواصلنا القديم *كيف يتفاعل عملك النقدي، مثل كتاب “شعرية اليومي”، مع كتابتك الشعرية، وما هي أبرز الدروس التي استلهمتها من دراستك للأدب العربي الحديث في تشكيل رؤيتك للشعر المعاصر؟ -أهم تلك الدروس هي (الترويض) فقبل دراستي للأدب دراسة علمية وأكاديمية كانت المفاهيم التي أتبناها مفاهيم أولية ومهلهلة وكنت أظن انها هي الصح وما عداها خطأ بل إن تلك المفاهيم تقترب من العقائد والأيديولوجيا ، ولكن فيما بعد ، بعد الدراسة والبحث والنظر والعمر أيضا وجدت تلك المفاهيم ما هي إلا مراهقة ثقافية ينقصها الوعي والقراءة والتمعن ، فهي لا تحمل إلا اندفاع الشاب الذي يريد أن يكون كل شيء في لحظة واحدة ، لهذا فالدرس العلمي والأكاديمي يمنحك مساحة من الترويض تعرف فيها حجمك ومكانك الطبيعي وتخفف غدة الانتفاخ والغرور أيضا *تناولت في مقال تجربة الشعراء الكرد والتركمان الذين يكتبون بلغة عربية فصيحة، هل من سمات وجدتها عند أولئك تستند إلى خصوصية شعوبهم وثقافتها؟ -هذه واحدة من المقالات القريبة على نفسي والتي جاءت بعد أن فاز شاعر تركماني عراقي شاب هو أحمد كلكتين بجائزة شاعر العرب التي اقامتها وزارة الشباب والرياضة العراقية ، لحظة الفوز كانت مفارقة شديدة أن يفوز تركماني بجائزة شاعر العرب ، فكتبت هذه المقالة عن مساهمة الشعراء غير العرب في ضخ دماء الشعر العربي وإسهامهم الكبير في تطوره تاريخيا وحاضرا ، وبدأت أتذكر وجود أسماء مثل بلند الحيدري وقيس لفتة مراد وعشرات آخرين من شعراء كورد وسريان وآشوريين وتركمان ، ولكن ما تفضلت به حول اشكالية الهوية او نقل هموم شعوبهم وعاداتهم الخاصة فلا أظنها واضحة المعالم والملامح في نصوص اولئك الشعراء الذين يكتبون بالعربية ، ذلك أن اللغة العربية والثقافة العربية هي مرجعيتهم الثقافية الرئيسة فلا تظهر كثيرا تلك اللفتات والملامح ، ربما تظهر حين يكتبون بلغتهم الأم. *من خلال ديوان “قصائد العائلة” أنت كمن يدخل إلى فضاء شعري لم يتماس معه الشعراء الآخرون، كيف يمكن أن يؤثر البيت في مشروع الكتابة الشعرية؟ -قصائد العائلة ديوان له ميزة مختلفة عن بقية دواويني ، ومرتبط بين الدلالة وشكل الديوان ارتباطاً غريبا ، ذلك أني شاعر إيقاعي ما بين العمودي والتفعيلة وهذا في معظم تجربتي الشعرية، ولكن الغريب في الأمر أني حين أكتب عن عائلتي فإن تلك النصوص تخرج قصائد نثر ، وهذا الأمر يحدث دون تخطيط إطلاقا فكان النص الأول عن ولدي الطيب ، بقصيدة معروفة (الصديق الوحيد ) ومن ثم نصوص عن زوجتي وأبي وأخي عادل وعائلتي وأولادي وحتى جدي ، كل ما كتبت عن العائلة تخرج قصائد نثر، وكأن هناك بلاغة خاصة أكثر صدقاً من ضجيج الإيقاع وصوته ، لهذا خرج هذا الديوان بهذه الميزة الدلالية المغايرة ، والتي تميزت بهذه الميزات المختلفة عن بقية الدواوين التي اصدرتها ، وهنا تكمن الأهمية بالنسبة للشاعر وهي عدم تكرار التجربة وألا يشبه ديوان ديوانا آخر ، فعلى الشاعر ان تكون دواوينه تجارب متنوعة لا يشبه بعضها بعضا ، من حيث التجربة وحتى التجريب. *في “قصائد الحاسوب”، تبدو كمن يدين التقنية التي أفقدتنا الألفة بين أصابعنا والكتابة على الورق… هل لا تزال علاقتك بالحبر والورق في الكتابة وما الفارق بين الفضاءين؟ -للأسف هذه التقنية سيطرت سيطرة شبه كاملة علينا ، فلا قلم حبر ولا أوراق ولا هم يحزنون ، تحول “الموبايل” إلى صديق ورفيق ودفتر أوراق وقلم في نفس الوقت ، وبدأت تجف المشاعر التي كنا نسكبها فوق الأوراق ، ليتحول “الموبايل” إلى صديق محايد وبلا مشاعر ، تملي عليه فيكتب ولا يكون جزءا من حضورك وحزنك وقلقك ، لهذا إنفجرت في هذه المجموعة الصغيرة حنيناً بزمن مضى وإدانة لحاضر تحاصرنا فيه التقنيات الحديثة والسوشال ميديا ، ولكن المفارقة أننا ندين تلك التقنية بنفس أدوات التقنية ، فتضحك علينا. *شاركت كعضو لجنة تحكيم في برنامج المعلقة، ترى كيف يكون موقف الشاعر عندما يكون حكما أمام شعراء مجايلين له؟، وهل استطعت أن تقصي الحب والعلاقة الشخصية عن أحكامك النقدية؟ -واحدة من أحرج التجارب التي مررت بها في أن تكون محكما على تجارب لشعراء مجابلين لك وبعضهم متقدمون عمرا أيضا ، فمن الصعب أن تحكم وتعطي الآراء النقدية بأريحية في البداية ، وهذا التردد والخشية بدأت إزاحتها شيئا فشيئا عني وعن بقية الأعضاء ، ذلك أن الشاعر المتسابق يعرف مسبقا المحكمين وجاء وهو موافق على شروط البرنامج، وهم كلهم أصدقاء لنا ، ومن ثم بدأت بإزاحة العلاقات الخاصة والصداقات الكبيرة مع بعضهم والحب لهم ، وأعطيت رأيي بكل صراحة إزاء نصوصهم ولم أتردد أو أجامل لا في الرأي ولا في الحكم ، ولم يضغط أحد علينا في اي نتيجة من النتائج، وكنت أعزي اخي ابو عبدالرحمن الشاعر محمد ابراهيم يعقوب حين ياتي صديق عزيز لنا متسابقا ولكنه لم يقدم نصاً بموازاة حبنا له ، فاقول لأبي عبدالرحمن خذ هذا البيت الجاهلي، فهو عزاؤنا ودستورنا في الحكم على الأصدقاء: ونبكي حين نقتلهم عليهم ونقتلهم كأنّا لا نبالي. *ختاما.. ماهي الكلمة التي يوجهها عارف الساعدي، الشاعر ورئيس الاتحاد، إلى الأدباء الشباب في الوطن العربي؟ -أولا، تحية لمجلة اليمامة التي واكبت الحركات الأدبية في العالم العربي وفتحت منبرها للأدباء الشباب والتجارب الكبيرة أيضا، فنحن نعدها منبرا أصيلا في تسويق الأدب وترويجه، أما كلمتي للأدباء الشباب فبصراحة لا أملك إلا أن أقول لهم: إننا في مركب واحد، وكل منا يتعلم من الآخر ويضيف له شيئا جديدا.