‏ مهنة تحفظ الكتب وتحبك تشكيلها..

حرفة التجليد والتذهيب .. فن حماية المعرفة.

تضع حرفة التجليد والتذهيب الكتاب في موضعه الطبيعي بوصفه أثرًا ماديًا يحتاج إلى عناية لا تقل أهمية عن العناية بمضمونه في زمنٍ كانت فيه المعرفة تُصان باليد قبل أن تُحفظ بالآلة، نشأت حرفة التجليد والتذهيب بوصفها درع الكتاب وذاكرته الجمالية، تجمع بين الوظيفة والدلالة، وبين الحماية والتزيين. لم تكن هذه الحرفة مجرد عمل تقني يربط الصفحات ويكسوها، بل فنًا دقيقًا أسهم في حفظ العلوم والقرآن والمخطوطات عبر القرون، ومنح الكتاب مكانته بوصفه وعاءً للمعرفة ورمزًا للقيمة الفكرية. واليوم، ومع احتفاء المملكة بعام الحرف اليدوية 2025، تعود حرفة التجليد والتذهيب إلى الواجهة بوصفها شاهدًا حيًا على مهارة صون الإرث الثقافي، واستعادة العلاقة العميقة بين الإنسان والكتاب، حيث يتحول الورق والجلد والذهب إلى لغة تحفظ المعرفة وتخلّدها. جذور تاريخية تعود حرفة التجليد والتذهيب إلى القرون الأولى من الحضارة العربية الإسلامية، وارتبط ظهورها المنهجي بانتشار صناعة الورق في العالم الإسلامي بعد القرن الثاني الهجري، عقب انتقال تقنية الورق من الصين إلى سمرقند ثم بغداد. ومع تأسيس بيت الحكمة في العصر العباسي، وازدهار حركة الترجمة والتأليف، برزت الحاجة إلى حماية المخطوطات العلمية والدينية التي تكاثرت أعدادها، فانتقلت عملية حفظ الكتاب من حلول مؤقتة إلى صناعة حرفية قائمة بذاتها. وفي هذا السياق، تطورت مهنة التجليد بوصفها مكمّلة لعمل الورّاق والناسخ، وأسهمت في إطالة عمر النصوص وتيسير تداولها بين العلماء وطلبة العلم. وخلال القرون الهجرية التالية، شهدت حرفة التجليد والتذهيب نضجها الفني، حيث ظهرت تقنيات متقدمة في خياطة الملازم، وصناعة الكعوب، وتغليف الكتب بالجلود المدبوغة، خصوصًا جلد الماعز. وفي هذه المرحلة، لم يعد الغلاف مجرد حماية خارجية، بل أصبح مساحة فنية تُنفَّذ عليها زخارف هندسية ونباتية متقنة، باستخدام الضغط اليدوي والتذهيب بورق الذهب، وهو ما توضحه نماذج محفوظة اليوم في خزائن المخطوطات العالمية. أما التذهيب، فقد تطور بوصفه علمًا بصريًا له قواعده، وارتبط على وجه الخصوص بتجليد المصاحف، حيث استُخدم لتحديد أوائل السور، والعناوين، والفواصل، وفق نظام جمالي يخضع لمعايير دينية وفنية دقيقة. ومع اتساع رقعة العالم الإسلامي، تشكلت مدارس إقليمية في التجليد والتذهيب، تمايزت في أساليب الزخرفة وكثافة الذهب ونوعية الجلد، ما جعل الكتاب المخطوط شاهدًا ماديًا على تفاعل المعرفة مع الفن، وعلى تطور الحرفة من وظيفة خدمية إلى ممارسة ثقافية ذات قيمة حضارية عالية. حضورها في المملكة في المملكة، ارتبطت حرفة التجليد والتذهيب ارتباطًا مباشرًا بالقرآن الكريم والمخطوطات الدينية والعلمية التي احتضنتها الحرمين الشريفين، والمكتبات الوقفية، ومدارس العلم في الحجاز ونجد والأحساء. فقد شهدت مكة المكرمة والمدينة المنورة نشاطًا مبكرًا لهذه الحرفة، مدفوعًا بالحاجة إلى تجليد المصاحف وكتب الحديث والفقه التي كانت تُنسخ وتُتداول بين العلماء وطلبة العلم. ومع قيام الدولة السعودية وازدهار المؤسسات الثقافية، حظيت المخطوطات بعناية خاصة، فبرزت ورش تقليدية متخصصة في ترميم وتجليد الكتب، واستمر هذا الاهتمام حتى العصر الحديث من خلال المكتبات الوطنية ومراكز المخطوطات، التي حرصت على توثيق هذه الحرفة بوصفها جزءًا من التراث الثقافي غير المادي للمملكة. أدوات وخطوات دقيقة تعتمد حرفة التجليد والتذهيب على خامات طبيعية دقيقة الاختيار، في مقدمتها الورق المصنوع يدويًا أو الورق القطني، والجلود الطبيعية كجلد الماعز أو جلود البقر، لما تتميز به من متانة وقابلية للتشكيل. ويُستخدم الذهب الخالص أو أوراق الذهب الرقيقة في عمليات التذهيب، إضافة إلى مواد لاصقة طبيعية تُحضّر وفق وصفات تقليدية تضمن ثبات الصفحات دون الإضرار بها. أما الأدوات، فهي بسيطة في ظاهرها، دقيقة في وظائفها، وتشمل الإبر والخيوط الخاصة بالخياطة، والمكابس اليدوية، وأدوات الضغط والتنعيم، وأقلام التذهيب، والقوالب الزخرفية المعدنية. وتُعد مهارة الحرفي في استخدام هذه الأدوات عاملًا حاسمًا في جودة العمل، إذ يتطلب كل إجراء حسًا دقيقًا بالتوازن بين القوة واللين. تبدأ عملية التجليد بمرحلة الطي، حيث تُجمع أوراق الكتاب في ملازم صغيرة تُرتّب بعناية وفق تسلسل النص. يلي ذلك التخريم والخياطة اليدوية، وهي مرحلة دقيقة تُحدد متانة الكتاب وقدرته على التحمل مع كثرة الاستخدام. وبعد اكتمال الخياطة، تُضغط الملازم وتُسوّى حوافها، تمهيدًا لمرحلة اللصق وإعداد الكعب. ثم تأتي مرحلة التعريش والتغليف، حيث يُضاف الغلاف الخارجي المصنوع من الجلد، ويُشكّل بعناية ليحتضن الصفحات دون شد أو ارتخاء. أما التذهيب، فيُعد المرحلة الأشد حساسية، إذ تُرسم الزخارف وتُحدد مواضعها، ثم تُلصق أوراق الذهب وتُثبت بالضغط والتلميع، لتظهر النقوش متناسقة، لامعة، ومتناغمة مع روح النص. ذائقة جمالية ومهارة متواصلة يمتاز التجليد والتذهيب في التراث السعودي بالاتزان والوقار، حيث تغلب الزخارف الهندسية والنباتية البسيطة، وتُبتعد المبالغة لصالح الرصانة والانسجام. ويظهر هذا التوجه جليًا في تجليد المصاحف والمخطوطات الدينية، التي تُراعى فيها قدسية النص قبل أي اعتبار جمالي. وتكشف هذه الحرفة عن ذائقة فنية واعية، ترى في الجمال وسيلة لخدمة المعرفة لا غاية مستقلة عنها. فكل خط ذهبي، وكل نقشة محفورة في الجلد، تُؤدي وظيفة بصرية تُسهّل القراءة وتُبرز بنية الكتاب، إلى جانب إضفاء الهيبة والاحترام على محتواه. اعتمدت حرفة التجليد والتذهيب عبر تاريخها على التعلّم بالممارسة والمشافهة، حيث تنتقل المهارات من الحرفي المتمرس إلى المتدرّب عبر سنوات من العمل المشترك. ولم تكن المعرفة التقنية مكتوبة في الغالب، بل محفوظة في الذاكرة العملية للحرفيين، ما جعل استمرارية الحرفة مرهونة باستمرار هذا التوارث. وفي السنوات الأخيرة، أسهمت المبادرات الثقافية في المملكة، ضمن برامج وزارة الثقافة والجهات التابعة لها، في إحياء هذا المسار، من خلال الورش التدريبية، والبرامج التعليمية، والمعارض التي تُعرّف الأجيال الجديدة بأهمية هذه الحرفة ودورها في حفظ التراث المكتوب. حرفة وهوية تضع حرفة التجليد والتذهيب الكتاب في موضعه الطبيعي بوصفه أثرًا ماديًا يحتاج إلى عناية لا تقل أهمية عن العناية بمضمونه. فهي تذكّر بأن المعرفة، مهما سمت، تبقى معرّضة للتلف ما لم تحطها يد خبيرة تفهم طبيعة الورق، وتاريخ الحبر، وسلوك الجلد عبر الزمن. ومن هذا المنظور، تمثل الحرفة سجلًا صامتًا لتاريخ القراءة والنسخ والتداول، إذ تحمل آثار الاستعمال، وتكشف طبقات الزمن التي مرّ بها الكتاب، وتمنحه فرصة جديدة للاستمرار. وفي سياق الاحتفاء بعام الحرف اليدوية 2025، تتجاوز إعادة إحياء التجليد والتذهيب فكرة الاستعادة الرمزية إلى تأكيد دورها المعاصر في صيانة المخطوطات، وترميم المكتبات الخاصة والعامة، ونقل الخبرة إلى جيل جديد يدرك أن الحفاظ على المعرفة لا يكتمل إلا بالحفاظ على أوعيتها.