فيلم موعد مع المجهول..

اللغز الذي حجب أول بصمة سينمائية سعودية .

يظل الفيلم السعودي “موعد مع المجهول”، الذي تم تصويره عام 1980، لغزاً محيراً وعلامة فارقة في تاريخ الثقافة في المملكة. أكثر من مجرد محاولة فنية، يمثل الفيلم حكاية طموح كبير اصطدم بالواقع الإداري، ليكون نتاجاً لمشروع رائد كان يمكن أن يغير المشهد الثقافي لو قدر له أن يرى النور. كتب قصة الفيلم الفنان سعد خضر، في قالب تشويقي بوليسي.  تدور الأحداث حول النقيب أحمد وهو من أفضل وأكفئ الضباط في الشرطة، يتهمه زميله النقيب عبداللطيف بأنه اقترض منه مبلغ كبير من المال ولم يسدده، فيضطر أحمد لدفعه للمرة الثانية له مقابل عدم فقده كزميل وصديق، ولكن عندما يصل إلى منزل عبداللطيف يجده قتيلًا. يحاول النقيب أحمد الهرب من شقة القتيل عبداللطيف، ولكن يفاجئ بالشرطة فيهرب من الشباك، وترفع الشرطة البصمات ويتم توجيه أصابع الاتهام إليهبقتل عبداللطيف. يواصل النقيب أحمد هروبه، ويلجأ إلى الدكتور حامد في إحدى المستشفيات ليساعده في كشف الجاني الحقيقي. يحاول الدكتور حامد استجواب النقيب أحمد للحصول على أي معلومات تساعده في إثبات براءته، ويسرع أحمد للهروب من المستشفى قبل اكتشاف أمره، ويساعده سائق سيارة نقل على الخروج من المدينة، ويتمكن حامد من إثبات وجود شخص أخر وقت وقوع الجريمة. يلوم مدير الشرطة حامد مساعدته للنقيب أحمد حيث اتهامه في قضية قتل، وتصل للشرطة رسالة من مجهول عن مكان أحمد في إحدى القبائل في الصحراء فتنطلق القوات للقبض عليه. يحاول النقيب أحمد الوصول إلى “نفل” والقبض عليه لشكه في قتل عبداللطيف، وعندما يمسك به يحاول استجاوبه لمعرفة الحقيقة.يعترف نفل للنقيب أحمد بقتله لعبداللطيف ويقبض عليه أحمد ويصطحبه في شنطة السيارة لقسم الشرطة، وهناك يفاجئ بوجود عبداللطيف حي يرزق، وأن القصة مجرد اختبار لأحمد لترقيته وأن عبداللطيف لم يقتل، فيعود إلى زوجته وابنته ويحتفل معهما. تبدو أهمية “موعد مع المجهول” النقدية، قبل أي تقييم فني، في رمزيته التاريخية الجريئة. ففي بداية الثمانينيات، تصدى لمشروع صناعة فيلم سينمائي طويل كامل المواصفات، بتصوير في منطقة الرياض من إخراج نيازي مصطفى، وكتب السيناريو والحوارأنور الشناوي، ومدير التصوير عادل عبدالعظيم. وطاقم تمثيل؛ سعد خضر، مطرب فواز، هالة نيازي عبدالرحيم، حسن أبو حسنة، عبدالرحمن الخريجي، أحمد تاج الدين الشيخ، محمد الكنهل، محمد المنصور، طارق عرابي، عبدالعزيز المبدل، علي المدفع، بندر المهيزع، وعد، عبدالعزيز العبيد، صالح الزير، محمود السيسي. المنتج مؤسسة أضواء نجد، ومدير الانتاج فتحي الحداد، ومساعد منتج علي المدفع. الدعم المؤسسي الكبير من وزارة الداخلية، التي وفرت إمكانيات ضخمة ورأت في الفيلم فرصة لتقديم صورة إيجابية عن الأجهزة الأمنية، يضفي على التجربة بعداً استثنائياً. كان الفيلم إعلاناً ضمنياً عن استعداد المجتمع السعودي، بأنه كان صحياً ومتقبلاً للفنون، ولاستقبال فن السينما، حيث شاركت النساء في مواقع التصوير بكل أريحية. غير أن النقد المركزي الذي يلاحق هذا العمل مصيره المحزن، الذي يحوله من إنجاز إلى مجرد أثر. فبعد إنتاجه بكفاءة عالية ومدته الأصلية التي تصل إلى ثلاث ساعات ونصف، (لذا قيل أنه مسلسل قصير) جرى إيقاف عرضه لأسباب إدارية بحتة، وفقاً للقائمين على المشروع، وليس لأي اعتبارات دينية أو اجتماعية. حتى المحاولة اللاحقة لإنقاذه عبر تحويله إلى سهرات تلفزيونية لم تلقَ قبولاً، ليبقى الفيلم حبيس الأدراج. هذه المفارقة تصنع نقداً ذاتياً قاسياً: كيف لمؤسسة تتبنى فكرة طموحة وتمولها ثم تقف عاجزة عن إخراجها إلى الجمهور؟ إنه إخفاق في اكتمال دائرة التواصل الثقافي، حيث بقي الإنتاج دون عرض، والرسالة دون متلقٍ. بالتالي، فإن القراءة النقدية لموعد مع المجهول تتعدى قيمته الفنية المتوقعة، التي قد تكون بدائية بحكم كونه الأول، لتركز على دلالته كأول فيلم سينمائي سعودي، لم يشاهده أحد في حينه. هو شاهد على إرادة ثقافية مبكرة وُلدت مكتملة تقنياً لكنها عانت من اختناقات بيروقراطية. وجوده الغائب الحاضر يطرح سؤالاً جوهرياً عن تاريخ الأفكار والمشاريع التي سبقت زمنها، ويدعو إلى إعادة تقييم الذاكرة الثقافية السعودية، ليس فقط من خلال ما تحقق وعُرض، إنما أيضاً من خلال الأحلام الكبيرة التي علقت عند عتبة التحقيق، لتكون بذرة متأخرة للنمو السينمائي المزهر الذي نراه اليوم.