منذ لحظاته الأولى، لا يقدّم فيلم “صوت هند رجب” نفسه كعمل يُشاهَدبقدر ما يفرض نفسه كتجربة تُعاش. في عرضه الأول داخل السعودية فيمدينة جدة ضمن الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي، وصل الفيلم محمّلًا بتاريخ من التلقي والانتظار، بعد أن سبقته سمعته منذ عرضه العالمي الأول في مهرجان فينيسسا السينمائي، ومروره بعدد من المهرجانات الدولية. لكنه في جدة لم يكن مجرد فيلم قادم من الخارج، بل شهادة وصلت متأخرة، وإن لم تفقد حدّتها القاعة كانت ممتلئة، ليس فقط بالجمهور، بل بثقل الحكاية نفسها. قصة هند رجب لم تكن جديدة على الوعي الجمعي، لكنها في هذا الفيلم تُستعاد لابوصفها خبرًا أو مأساة عابرة، بل كصوت حيّ، حاضر، يرفض أن يتحول إلى رقم أو ذاكرة بعيدة. ما يميّز الفيلم منذ بدايته هو هذا الإصرار على إعادةالإنسان إلى مركز الصورة، دون وسائط، ودون محاولة تهذيب او تخفيف الألم أو تجميله كوثر بن هنية لا تتعامل مع القضية الفلسطينية كموضوع سينمائي قابل للتأطير أو التحليل، بل كحالة وجودية. في “صوت هند رجب” كمشاهدين لانُقاد نحو التعاطف، بل نحو التورّط. نشاهد الفيلم وكأننا داخل الحدث، لاخارجه. الزمن يبدو معلّقًا، والمسافة بيننا وبين ما يحدث تكاد تنعدم، وكأن العمل يسحب المشاهد من مقعده ليضعه في قلب التجربة النفسية ذاتها لا نرى هند كشخصية تمثيلية، ولا كجسد على الشاشة. لا يُعاد تجسيدها، ولاتُقدَّم عبر أداء ممثلة. كل ما نملكه هو صوتها، تسجيلاتها، كلماتها، ونبرةالخوف والانتظار التي تتسلل إلى وعينا دون استئذان. نراها فقط من خلال منكانوا يتواصلون معها، نعيش معهم في مساحة واحدة، في مكان مغلق، فيزمن محبوس. الصورة الوحيدة التي نراها لهند هي صورة حقيقية، ثابتة، كأنها ترفض أن تتحول إلى مشهد سينمائي. هنا، تختار كوثر الغياب بدل الحضور، وتحوّل هذا الغياب إلى أقسى أشكال الوجود. هذا الاختيار يفتح سؤالًا جوهريًا: كيف كان سيكون الفيلم لو أُعيد تجسيدكل شيء؟ لو رأينا هند ممثَّلة، تتحرك، تبكي، تصرخ وتستنجد ؟ هل كانت المشاعر ستصل بالقوة ذاتها؟ أم أن إعادة التمثيل كانت ستخلق مسافة آمنةبيننا وبين الحقيقة؟ يبدو أن الفيلم يدرك أن التخيل في بعض الحالات لا يزيد الألم، بل يخففه. وأن الاكتفاء بالصوت، بالفراغ، وبما لا يُرى، هو ما يجعل التجربة أكثر قسوة وصدقًا. ما لا نراه هنا أثقل مما لو رأيناه. اختيار استخدام صوت هند الحقيقي هو جوهر الفيلم وأخطر قراراته. هنا لاتعود السينما فعل تمثيل أو إعادة سرد، بل فعل استحضار. الصوت لا يعمل كعنصر توثيقي فقط، بل كحضور إنساني لا يمكن تجاوزه. ما نراه ليس إعادةتمثيل للواقع، بل محاولة للإمساك به كما كان.. هشًا، مرتجفًا، ومليئًا بالانتظار، هذه ليست دراما مُصنّعة، بل حقيقة تُعرض بلا وسادة تخفف وقعها الفيلم يتعمّد التجرّد من أي مبالغة درامية أو جماليات سينمائية، لا موسيقى تقود المشاعر، ولا بناء تصاعدي تقليدي يمنح المشاهد لحظة انفراج. الحقيقة تُقدَّم كما هي: صادمة، قاسية، ومحرجة أخلاقيًا. إحراج لا يطال الشخصيات فقط، بل يطالنا نحن كمشاهدين. كأن الفيلم يذكّرنا بأن السينما ليست دائمًا مساحة للراحة، بل أحيانًا مساحة للمساءلة. ألسنا هنا لنشاهدانعكاس الحياة؟ وإذا كانت الحياة قاسية، فلماذا نطالب السينما بأن تكون أقل قسوة؟ سرديًا، يصل الفيلم بوضوح إلى ما تريد كوثر بن هنية قوله، دون خطابة أوتفسير مباشر. هذه القدرة على التوصيل دون شرح هي إحدى سماتها الإخراجية الأبرز. لكل عمل من أعمالها كيان مستقل، ولغة بصرية وسرديةخاصة، لكنها تشترك جميعًا في احترام وعي المشاهد، وتركه يكتشف الحقيقةبنفسه. في هذا الفيلم، السرد لا يقدّم إجابات، بل يفتح جراحًا. حركة الكاميرا في معظمها ثابتة، كأنها تحبس الأنفاس، تراقب دون تدخل، ثمتهتز فجأة مع تصاعد المشاعر، مع الخوف، مع الانهيار الداخلي. هذا التحول المفاجئ في الحركة لا يبدو تقنيًا بقدر ما هو نفسي؛ انعكاس مباشر للارتباك والذعر الذي يعيشه الأشخاص داخل الحدث. استخدام الزوايا المختلفة يخلق شعورًا بعدم الاستقرار، بينما تأتي الإضاءة مشمسة، على نحوٍ متناقض وصادم، كأن العالم مستمر، كأن هناك غدًا ما زال ممكنًا… حتى في قلب المأساة. من الناحية النفسية، يحمل الفيلم عبئًا ثقيلًا على الممثلين، ليس من حيث الأداء فقط، بل من حيث المسؤولية. تمثيل أشخاص حقيقيين دون تجسيدهم، ونقل ما حدث عبر أصواتهم وانفعالاتهم فقط، هو عبء أخلاقي قبل أن يكون فنيًا. هذا العبء لا يبقى داخل الفيلم، بل ينتقل إلينا. نشعر أننا لا نشاهد شخصيات، بل نواجه شهودًا، وكل شاهد يحمل جزءًا من الحقيقة، ويضعه أمامنا دون حماية عند انتهاء العرض، لم ينتهِ الفيلم فعليًا. صفق الجمهور طويلًا، قرابة عشرين دقيقة، تصفيق لم يكن احتفاليًا بقدر ما كان محاولة جماعية لاستعادة النفس. تصفيق يشبه التفريغ، أو الاعتراف، أو الامتنان الثقيل. وبعده، خرج الناس من صالة العرض في حالة صمت مشترك، كأن الجميع كان يحبس أنفاسه.. يحملها داخله، غير قادر على الكلام، لم يكن هناك حديث، ولا تعليقات سريعة، بل وجوه مثقلة، وخطوات بطيئة، كأن كل شخص خرج وهو يحمل جزءًا من صوت هند معه. هذا ليس مقالًا يُكتب لتفكيك الفيلم أو تحليل مشاهده، ولا لتقييمه كعمل سينمائي بحت. هو مساحة تُترك للمشاهد ليواجه قلبه وعقله وكيانه، ويقرر موقعه مما رأى وسمع. وفي النهاية، يتركنا الفيلم أمام سؤال لا يمكن الهروب منه هل كنا مجرد مشاهدين داخل قاعة سينما… أم كنا شهودًا على ما حدث لهند رجب؟