مؤتمر ومعرض الحج التعايش والسلام.
«من مكة إلى العالم» الشعار الذي أتى عنواناً لهذا المؤتمر قد استلهم نقطة الانطلاق الأولى لفجر الإسلام، نقطة الانطلاق ذاتها التي نادى منها إبراهيم الخليل حين أذّن في الناس، فأتوه من كل فجّ عميق. يأتي هذا المؤتمر في نسخته الخامسة تتويجاً لما وصلت إليه منظومة الحج التي كانت ثمرة تنسيق عالي المستوى بين كافة الأجهزة الحكومية والجهات ذات العلاقة؛ لتقديم أفضل خدمة لضيوف الرحمن باتت تتطور عاماً بعد عام. مئة عام منذ دعا الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه إلى أول مؤتمر إسلامي عام 1926 والذي حضرته وفود سبعين دولة إسلامية آنذاك، حين دعا المغفور له بإذن الله بأن تعاد أوقاف الحرمين لتتمكن حكومته من خدمة المشاعر المقدسة كما يجب، إلا أنه ومنذ ذلك الحين أخذت المملكة العربية السعودية على عاتقها مهمة رعاية هذا الركن الخامس من الدين، برغم محدودية مواردها آنذاك، لكن الله سبحانه الذي عرف أين يضع رسالته قد أفاء على أصحاب النوايا، وحقق دعوة خليله إبراهيم، فرزق أهله من الثمرات، ولا تزال المهمة شاقة إلى اليوم، حيث إن التطوير أهم ما في أي عمل من الأعمال أو مشروع من المشاريع. مؤتمر ومعرض الحج يأتي هذا العام كمنصة متكاملة للتعريف بالخدمات المتاحة وبحث سبل تطويرها. حضر المؤتمر - إضافة إلى وفود الدول الإسلامية المشاركة - العديد من المشاركين من القطاعين العام والخاص، مما يجعله يتجاوز كونه مجرد مؤتمر إلى كونه ملتقى وسوقاً للمستثمرين في الحج، وهو ما أشار له القرآن الكريم بقوله: «وليشهدوا منافع لهم»؛ إيماناً بالدور الفاعل للاستثمار في المساهمة في تطوير منظومة الحج من قبل القطاع الخاص بالتوازي مع الجهد الحكومي. اللافت هذا العام هو ما أطلقه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان رئيس مجلس دارة الملك عبدالعزيز من مبادرة «ملتقى تاريخ الحج» وهي مبادرة بالتعاون مع وزارة الحج والعمرة ودارة الملك عبدالعزيز؛ لتوثيق وعرض تاريخ الحج خلال قرون مضت. ومن المؤكد أن هذه الإضافة الثقافية ستمنح فكرة الحج بُعداً يتجاوز إطار النسك والشعائر فقط إلى جعله ساحة بحث ونقاشات عالمية ربما تُمكّن الباحثين من دول العالم من التعاطي مع موضوع الحج بما يجعل ثقافة الحج شأناً عالمياً يساهم العالم كله في نقاشه والتعاطي مع فكرته الثقافية الداعية إلى السلام والتعايش برغم الاختلافات المتعددة، وهذه أبرز ملامح وأهداف الحج الوجدانية من حيث كونه احتفالاً بشرياً ضخماً يقام في كل عام في مكان واحد يشع بالسلام والطمأنينة والخشوع. هذا الصورة البانورامية للحج جديرة بأن تكون محط اهتمام العالم كله بالدراسات والتحليل والمساهمة الإيجابية في نقاشه.